الانتخابات البلدية
---------------------
إخواني الأحبة : يبدأ اليوم بعون الله وتوفيقه تسجيل الناخبين في الانتخابات البلدية .
والانتخابات آلية يسعى بها الناس إلى اختيار من يرونه الأمثلَ لولاياتٍ محددة ، وهم بذلك يعتبرون صوت الأغلبية عاملاً مرجحاً في هذا الاختيار ..
والمقصود هنا التصويت على اختيار المسؤول ، وليس التصويت على سن التشريعات كما هو في الحكم الديمقراطي ، وشتان بين هذا وذاك ، فإن رأي الأغلبية عنصر يمكن أن يسترشد به صاحب القرار فيما يسوغ فيه الاجتهاد البشري ، ولقد أعمله النبي صلى الله عليه وسلم - مثلاً - في خروجه لأحد حينما نزل عن رأيه ورأي أبي بكر إلى رأي أغلب الصحابة ، لكنه لم يعتبره بأبي هو وأمي قط في كل شأن كان فيه التوجيه الرباني حاضراً.
أيها الكرام .. إن هذا الاختيار الذي وكل إلينا نحن المواطنين سلاح ذو حدين ، إن أحسنا أداءه كان نافعاً وإيجابياً ، وإن أسأنا عاد بالوبال علينا وعلى مجتمعنا الحبيب.
إيها الكرام : يجب أن ندرك جميعاً أننا هنا إزاء واجبين . وهذا ينطبق على ما نحن بصدده من مناسبة الانتخابات البلدية ، وعلى ما يشابهها من فرص إصلاحية نتطلع إلى المزيد منها ، طالما أنها لا تتصادم مع شريعتنا الغراء ولا تتعارض مع أحكامها وتوجيهاتها السامية الكريمة ، وهي تعمل على تفعيل مبدأ إصلاحي في غاية الأهمية : ألا وهو تنصيب الأكفأ واختيار الأولى .
فأما الواجب الأول فهو واجب كفائي ، يتجسد في حرص المسلم على أن يستثمر صوته الذي أتيح له .. وهو جزء من واجب الإصلاح المنشود ، والذي ينبغي ألا يتقاعس عنه المسلم الحريص على تحقيق المصالح في نفسه ومجتمعه ، إنه واجب جماعي على أولئك الذين يحرصون على الوصول إلى ما هو أصلح ، وينشدون لمجتمعهم الذي يحبونه ما هو خير وأنفع في أمور دينه وديناه.
فهو أن يكون الاختيار للأكفأِ والأمثلِ والأصلح .. بعيداً عن كل الاعتبارات العنصرية أو الشخصية .. فهاهنا لا قبلية ولا مناطقية ولاحزبية فضلاً عن المصالح الشخصية أو المنافع المادية التي تعني بيع الأمانة وشهادة الزور . إن هذا الصوت المتاح أمانة يقدّمه المنتخِبُ لمن يرى أنه الأصلحُ في هذه المسؤولية تحديداً.
إخواني الكرام : إن اختيار الأصلحِ في المسؤوليات ، والسعيَ إلى تعيين الأكفأِ ؛ واجب شرعي لا يجوز التفريط فيه بغاية المستطاع..
ألا وإن في تضييع ذلك مفاسدُ عظيمة على الأفراد والمجتمع ، كما في رعايته والحفاظ عليه – أعني اختيار الأصلح - : في رعايته والحفاظ عليه حفظاً لحقوق الناس ، وأداء للأمانات ، ووصولا إلى ما هو أمثل ، من مصالح المجتمع الدينية والدنيوية . وهل عانت كثير من المجتمعات والشعوب إلا من تولي من ليس بأهل في المواقع المختلفة التي ترتبط بها مصالحهم وأمور معاشهم ؟ سواءً كان ذلك من أمور الدين أو أمور الدنيا.
لقد خاطب الله تعالى عباده آمراً إياهم أمراً جازماً بأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها .. قال تعالى:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً }، وإن من أعظم أداء الأمانات التي تترتب عليها المصالح الكبرى هو اختيار الأكفأِ في الولايات المختلفة.
قال الإمام السعدي تعليقاً على هذه الآية : " فالأمانات يدخل فيها أشياءُ كثيرة ، من أجَلِّها: الولاياتُ الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، الدينيةُ والدنيوية ، فقد أمر الله أن تؤدى الأمانات إلى أهلها بأن يجعل فيها الأكْفاء لها، وكل ولاية لها أكْفاءُ مخصوصون. فهذا الطريق الذي أمر الله به في الولايات: من أصلح الطرق لصلاح جميع الأحوال، فإن صلاح الأمور بصلاح المتولين والرؤساء فيها والمدبرين لها والعاملين عليها، فيجب تولية الأمثل فالأمثل { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }، [ القصص: 26 ]، فصلاح المتولين للولايات الكبرى والصغرى عنوان صلاح الأمة ، وضده بضده [القواعد الحسان 1/98-99].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية بعد أن أورد قوله تعالى { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} – قال : " وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل: فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة " ثم قال : "إذا عرف هذا ، فليس عليه أن يستعمل (أي أن يولّي صاحب الصلاحية) ، فليس عليه أن يستعملَ إلا أصلحَ الموجود .. فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه.
أخي المسلم ، لقد حسمت الشريعة الغراء معايير الكفاءة فيمن يُختارون للولايات المختلفة صغيرة كانت أم كبيرة ، إنهما معياران رئيسان نص عليهما كتاب الله تعالى ، وحلفت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعمالهما في كل المجالات.
فأما المعيار الأول : فهو الأمانة ، وأما الثاني : فهو القوة ، قال تعالى : { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ }.
وهاهو يوسف عليه السلام يصف نفسه في موطن الترشح للولاية: { إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } ، أي حفيظ الأمانة، عليم القوة.
إن المعيار الأول إخواني الكرام هي الأمانة: وهي تعني مراقبةَ ذلك المتولي لله تعالى فيما تولاه ، وحرصَه على تحقيق المصالح العامة أداء للواجب وقياماً بحقوق الآخرين ، هي تعني –كذلك- إدراكَه بأنه مؤتمن على الأموال العامة التي هي أموال المسلمين.
إن هذه الأمانة تعني أيضاً استشعاره للمسؤولية التي سوف يسأله الله تعالى عنها يوم القيامة، هل برّ وصدق ، أم غش وضيّع ؟ وأن عليه أن يبذل وسعه في الاجتهاد لتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح العامة التي ينتظرها الناس ، وإلا كان من المفرطين .. كل هذا إيها الكرام من الأمانة التي يجب أن يولّى من يرعاها في منصبه وولايته ، وأن يُحذر أشد الحذر ممن لا يقيم لها وزناً.
أما المعيار الثاني فهو القوة : وهي تعني القدرة على القيام بهذه المسؤولية وما تتطلبه هذه القدرة من علم أو مهارة أو صفات ، ولذا فإن هذه القوة تطلب بحسب نوع تلك الولاية ومجالها، فقوة الطبيب مثلاً تكون في قدرته على تشخيص الأمراض، ووصف العلاج المناسب للداء ، وقوة المهندس في قدرته على التخطيط والأداء الهندسي ، وقوة الإداري تتجلى في حسن إدارته للفريق وتحقيق الأهداف من خلالهم بنجاح ، وقوة المدرس في علمه وفي قدرته على إيصال المعلومة إلى طلابه، وقوة العالم في سعة علمه وفي قوة استنباطه وفي وعيه بأحوال الناس وواقعهم وهكذا فالقوة بحسبها في كل مجال.
قال ابن تيمية : " وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب ، فإن الولاية لها ركنان : القوة والأمانة " ثم قال : " واجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ، ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول : اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة . فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها " أي أن الواجب هو بذل الجهد في اختيار أمثلِ من يتوافر فيه هذان الأمران ، في كل ولاية بحسب متطلباتها وطبيعتها.
وقال الإمام السعدي في تعليقه على قوله تعالى { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } – قال : " هذان الوصفان بهما تمام الأعمال كلِّها ، فكل عمل من الولايات أو من الخدمات أو من الصناعات ، أو من الأعمال التي القصد منها الحفظ والمراقبة على العمال والأعمال: إذا جمع الإنسان الوصفين: أن يكون قويا على ذلك العمل .. وأن يكون مؤتمنا عليه ، تم ذلك العمل وحصل مقصوده وثمرته، والخلل والنقص سببه الإخلال بهما أو بأحدهما ". [تفسير اللطيف المنان 1/401]
المهم هاهنا أيها الكرام أن توجد الآليات الكفيلة باختيار من تنطبق عليهم الكفاءة بشقيها المذكورين، وأن يكون الاعتبار لكلا الأمرين حاضراً : الأمانة والقوة ، وإلا حصلت المخالفة الشرعية، ووقع الخلل وتضرر الناس والمجتمع.
أقول قولي هذا وأستغفر الله من كل زلل أو خطيئة.
إن الحديث عن معياري الكفاءة ليحتاج إلى مزيد بسط وتوضيح وتجلية ، والمهم هاهنا أن نستحضر جميعاً واجبنا الشرعي في المساهمة الفاعلة لاختيار الأكفأ كلما أتيحت لنا الفرصة ، فإن ضيعنا ما أتيح لنا كنا في موضع الملامة .
إيها الأحبة .. إن مأمول المسلم الواعي من الإصلاح المجتمعيِّ كبير ، فالمجتمع المسلم ينشده الجميع مجتمعاً نموذجياً تنعكس عليه معالم الرقي الشرعي ، وتتجلى فيه مظاهر حضارة الإسلام الرفيعة ، فلنكن إيجابيين مع كل خطوة تتجه إلى الإصلاح ، آملين أن يوفق الجميع – الراعي والرعية - في بلادنا الحبيبة وفي سائر بلاد المسلمين لمزيد مما هو أصلح في أمر الدين والدنيا .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ...
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله