الحمد لله الذي يأمر بالتقوى و البر, و ينهى عن الفساد و الشر, ثم يحصي الأعمال والأثر..
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, أنزل المطر .. وسقى البر والحضر.. وأشهد أن محمدً عبده ورسوله.. النبي الأغر.. سيد البشر.. الشافع المشفع في المحشر..
أيها المسلمون.. ليس بجديد على المسلم أن يُحدّث عن شيء اسمه المسؤولية الاجتماعية, التي يعرفها البعض على أنها (الالتزام الذاتي والفعلي للفرد تجاه الجماعة) (الجبوري), فالمسلم و من خلال بنائه العقدي و المعرفي بشكل عام تربى على أن يخاطب من خلال المجتمع فالله يناديه كفرد في مجتمع لا فرد مستقل, و انظر إذا أردت أوامر المولى جل جلاله بماذا تفتتح..
{ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
أيها المسلمون : لقد أمرنا ربنا أن نتعاون على كل خير مبارك فيه عز للإسلام وأهله وعلى كل ما فيه نفع للمسلمين يقول الله سبحانه : {ۘ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
وفي تفسير القرطبي, قال الماوردي : ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له ; لأن في التقوى رضا الله تعالى , وفي البر رضا الناس , ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته..
وقال ابن خويز منداد في أحكامه : والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه ; فواجب على العالم أن يعين الناس بعلمه فيعلمهم , ويعينهم الغني بماله , والشجاع بشجاعته في سبيل الله , وأن يكون المسلمون متظاهرين كاليد الواحدة (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم).
بل إن من أوجه المسؤولية الاجتماعية ما لو تركه المجتمع استحق اللعن و العياذ بالله ألا و هي الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و في ذلك ينبه الله عباده بقوله : {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}
وانظر يا رعاك الله كيف أن بعض هذه الأنواع من التعاون لا بد من القيام بها حتى لو كانت المخاطرة بالنفس و المال أنظر إلى المسؤولية التي وضعها الله على المجتمع في الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين و ذلك في قوله تعالى : {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}..
ثم عقب سبحانه بما يفيد أن هذا من حقوق الأخوة : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون}..
فلا تقف المسؤولية بوقف القتال بل بالإصلاح بين من تقاتل و سالت الدماء بينهما وأزهقت الأرواح و هو لعمرك عمل غير يسير.
إذا تصورنا هذا عرفنا أهمية المسؤولية الاجتماعية و التعاون بين المسلمين, فهي قيمة عظيمة و مكرمة عالية و خلة رفيعة بل و عبادة كريمة.
بل إن الرسول عليه السلام صور لنا أن المجتمع المسلم كقوم يركبون سفينة واحدة فعليهم أن يحافظوا على سلامة مجتمعهم و يحصلوا كل ما ينفعهم و يدرؤوا كل ما يضرهم , و إلا فإن الكارثة ستحل بالجميع لا فرق بين مخلص و متخاذل أو عامل ومتكاسل.
عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا (تقاسموا الأماكن) على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها (أي أنها تتكون من طابقين) فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا.
أيها المسلمون.. ماذا يمكن لنا ان نستنتج من هذا المثل الذي ضربه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
إنه فضل التعاون بين أفراد المجتمع وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وهذا واضح في أن أصحاب المكان العلوي لو أعطوا من أنفسهم قليلاً ووضعوا أيديهم بأيدي إخوانهم أصحاب المكان السفلي وساعدوهم في غرف الماء من البحر وتعاونوا معهم في ذلك لما فكر أصحاب المكان السفلي في خرق السفينة.
وتذكر لنا كتاب السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للمسلمين أروع الأمثلة في التعاون و التكاتف فقد تعاون مع الصحابة في بناء المسجد وحفر الخندق وقد ضرب الجميع أروع الأمثلة الدالة على التفاني والتعاون لأجل مصلحة المسلمين .
وتأمل أيها المسلم كيف أن المسؤولية على المجتمع المسلم تقع عليه من حقن الدماء بين المسلمين و حفظ أمن و سلامة المجتمع إلى أيسر الأمور و هو أن تبعد ما يؤذي المسلمين من الطرقات,فليس في الدين شيء يحتقر فكل عمل بأجره،
بل عد هذا الأمر من الإيمان : قال صلى الله عليه وسلم:{ الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان} رواه البخاري.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (لقد أريت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين). رواه مسلم (127).
وفي رواية : (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال : والله لأنحين هذا عنِ المسلمين لا يؤذيهم ، فأدخل الجنة)
وتكريسا لمفهوم النفع العام و الذي يشار إليه اليوم بالمسؤولية الاجتماعية:
يقول عليه الصلاة والسلام : (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) حيث عمم المسؤولية لأفراد المجتمع. ويقول عليه الصلاة والسلام : (خير الناس أنفعهم للناس..) انتهت الخطبة الأولى.
أيها المسلمون.. إنكم اليوم تعيشون فترة مهمة لها ما بعدها إن فترة تسجيل الناخبين في المراكز المختلفة التابعة للانتخابات البلدية كل في دائرته التي يسكن فيها.
أيها المسلمون.. ليس منكم هنا من أستثنيه من المسؤولية العظيمة التي نواجهها اليوم و المسلم (كيّسٌ فطن) كلكم مسؤول سواء من كان له حق التصويت أو من ليس له حق في التصويت, فمن كان له حق التصويت عليه أن يبادر بمجرد فتح المركز الذي في دائرته التي يتبع لها فيذهب و يسجل اسمه و يدعو من له أمر عليهم من الأولاد أو الأصدقاء أو زملاء العمل أو الجيران ممن يصلون معه في المسجد, وهكذا.
أما من ليس له حق التصويت فعليه أن يعين الآخرين ويرشدهم بل حتى يوصلهم إلى مراكز التصويت و يشعرهم بأهمية الأمر و أن الأمر يتعدى المصالح الشخصية الضيقة إلى المصالح العامة التي تنفع كل من في البلاد, و من كان مثقفا مطلعا مدركا للأمور عليه أن يبين للناس أهمية الأمر.
أيها المسلمون.. إني أعلنها صريحة هنا فأقول كل من استطاع أن يسجل في قوائم الناخبين و لم يسجل و كل من يستطيع أن يشارك في الانتخاب بالتصويت ولم يصوت فهو متخاذل عن خدمة مجتمعه المسلم مقصر في القيام بحق المسلمين كائنا من كان و أدين لله بهذا الاعتقاد و أطلب من الله الأجر فيما أقول, يقول بعض السلف (كلكم على ثغرة فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلكم).
عباد الله.. إني اكرر قول المصطفى عليه الصلاة و السلام : (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) فافهم أيها الذكي دورك الكبير و إياك إياك من رفقة السوء و دعاة الكسل و السلبية الذين لا يعملون و لا يحبون أن يروا من يعمل فيتميز عليهم, فالمصلحة عامة فإياك أن تخذل المسلمين في موقف يحب الله أن يراك و أنت تنصرهم و تقويهم.
و تذكروا قول الله جل جلاله {وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} وفي تفسير الجلالين : فسرها بصلة الرحم و مكارم الأخلاق.
واعلموا أن القيام بالمسؤولية تجاه مجتمعك من مكارمها, بارك الله فيكم
أقرت الدولة مؤخرا انتخابات بمشاركة المواطنين لاختيار مرشحين للمجالس البلدية، وتتيح هذه الانتخابات للمواطنين فرصة المشاركة في صناعة القرار من خلال اختيار الأصلح من المرشحين ذوي الكفاءة والخبرة لإدارة الخدمات البلدية في مقر إقامتهم، وتبرز أهمية هذه الانتخابات في كونها تسهم في جعل المواطن في موقع المسؤولية المشتركة مع الجهات الرسمية، وبالتالي توسيع مشاركته في اتخاذ القرار وإدارة شؤونه المحلية فهي بذلك تشكل مجالا للشورى تنفيذاً لقول الله تعالى : {وأمرهم شورى بينهم} فكيف يرى فضيلتكم المشاركة في هذه الانتخابات بالتسجيل أو الترشيح؟
نظراً لأهمية هذه الانتخابات وآثارها المنتظرة في تحسين وضع البلاد، واختيار ما له أهمية ومصلحة في البلاد والعباد، فإننا نرى أهمية المشاركة في هذه الانتخابات، واختيار الأفضل من المرشحين من أهل الخبرة والمعرفة والصلاحية، لخدمة المشاريع البلدية، ورجاء أن يكون المرشحون من أهل الصلاح والإصلاح، والعمل فيما يكون سببا في الاستقامة واختيار ما يناسب البلاد، واختيار الأشخاص الصالحين المصلحين، ممن يرجون الله والدار الآخرة، وينصحون لولاة الأمر وللمواطنين، فمتى تقدم أهل الخبرة وأهل المعرفة وأهل الاستقامة لاختيار من لهم صلاح ومعرفة، فإن ذلك خير في الحال والمآل والله أعلم.
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله