الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا من عقدتن العزم على السفر في قطار الدعوة إلى الله فما هو المقصد وما هي النية,فبالنية يتحدد السفر وعلى صدقها يحمل الزاد وسفر المؤمن لابد له من النية الصادقة وهي أصل الأعمال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) رواه البخاري.
والإخلاص وحده هو الذي تعود إليه شفافية القلب وصفاء الوجدان فلا يفكر المؤمن إلا في عظمة الله تعالى ولا تضيره متاعب المثبطين والمرجفين.
وكما أن للسفر الحقيقي آدابا كذلك سفر الدعاة في القافلة الميمونة ورحلتهم في قطار الدعوة تحتاج إلى آداب وقد قيل "من صلح لصحبة السفر صلح لصحبة الحضر".
والدعاة في سفرهم بحاجة إلى طيب الكلام وحسن المعاملة مع الخلق كي ينضموا لإعطاء الصورة الوضيئة أمام الناس للحاق بهم وهم بحاجة أيضا لآداب الصحبة بينهم كي يتم سفرهم براحة وأمان ويصلوا إلى مقصودهم بنجاح.
(ومن صلح للسفر مع الدعاة في قطار الدعوة صلح للعيش مع الخلق والقيام بنصحهم وإرشادهم)..
الله سبحانه وتعالى خلق الناس بتدبيره وجعلهم محتاجين لبعضهم ليكون الخالق وحده بالغنى منفردا فكل إنسان محتاج لأخيه في أمور الدين والدنيا والداعية لا تتم ألفته إلا بعدله مع غيره فيحمل نفسه على المصالح ويكفها عن القبائح والألفة تتم بالمؤاخاة الصادقة في طريق الدعوة فالأخوان زينة في الرخاء وعصمة في البلاء.
من مقتضى الألفة والمحبة عدم التحزب للآراء والتعصب للرجال وإنما الدعاة هم معلمو الناس الخير عليهم خدمة المبادئ السامية وأداء واجب الأخوة والتعاون مع كل صاحب فضل لأداء واجب النصيحة للناس وتبليغ الدعوة لهم.
وقياس الناس والأفكار يكون بميزان الإسلام وأهل التوحيد قالوا : (اعرف الرجال بالحق ولا تعرف الحق بالرجال)، وقيل : (واعرف الحق تعرف أهله).
وعلى كل داعية أن ينظر إلى الأمام ويضع المنهج الرباني نصب عينيه ولا يلتفت للعبيد.
الألفة مطلوبة لكن المبالغة في المحبة إفراط ينافي العدل لأنه قد يدعو لتجاوز الإنصاف ثم التعصب والانحياز ، والشريعة نهت عن التطرف في كل أمر فلا إفراط ولا تفريط ، وما ضاعت الشريعة وظهرت البدع إلا بالتقصير في بعض المسائل أو الغلو في بعضها الآخر، وكل زائد عن الحد يغلب انقلابه إلى الضد.
والإفراط في المحبة قد تعني إعجابا حقيقيا وليس تكلفا ولكن هذا الأمر خاطئ فليس هناك شخص مقدس ولكل شخص أخطاء ولكن قد تكون خفية و إذا ظهرت بانت فأول ضحايا الإعجاب هو المعجب بنفسه.
ميزان الشريعة العدل في كل الأمور وكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور فهي ليست من شريعة الله وإن أدخلت بالتأويل.
ولذلك أن تنظر إلى ما يمتلكه الإنسان من الشر والخير والحسنات والسيئات وهذا الميزان حتى لأهل البدع والأهواء ماداموا موحدين من أهل القبلة فننظر إلى محاسنهم وننكر بدعتهم ونتبرأ إلى الله تعالى مما هم فيه لأن الأصل إنكار المنكر والاعتراف بالخير.
وميزان العدل يتحقق إذا تواصوا المسلمين بالحق حيث يوصي كل مسلم أخاه بالمعروف وينبهه إلى الخير ويأمره باجتناب النواهي والمؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى وهذا يزداد وجوبا بين الدعاة.
وليكون التواصي بالحق بشكل حوار بناء ونقاش مثمر والنقد الموضوعي لجميع الأعمال الشخصية أو الجماعية وبذلك تتعرض الجماعة للإصلاح الدائم وقد حرص العلماء على أخوة الطريق التي تنبه على الخير فهذا عبد الملك بن مروان مع فقهه وسعة ملكه يقول : "كل لذات الدنيا قد بلغتُ فلم يبق إلا أخ يسقط عني مؤونة التحفظ"؛ لأن النفس تمل والداعية بحاجة إلى من يدفع عنه كلل النفس ومتاعب العمل.
البشر لا يزالون يختلفون لاختلاف المفهوم والعقول وتباين المعرفة والتجارب فلابد من الخلاف ولابد من النقد والملامة للآخرين حين يرى الشخص أمراً يظنه غير صائب وكذلك لابد من الرد والمناظرة وقد أجازت الشريعة ذلك لبيان الحق وإيضاح السبيل ولكن على ألا تعود ذلك إلى الخصومة والكراهية وقد قيل عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يتناظرون المسألة مناظرة مشاورة ومناصحة وربما اختلف قولهم في المسألة العلمية والعملية مع بقاء الألفة والعصمة وأخوة الدين (مثال الإمام الليث ورسالة الإمام مالك).
الحوار بين الدعاة مهم لأنه تلقيح للأذهان وتجديد للآراء وتقويم الخطأ وتعاون على المعروف والعلم النظري لا يصل إلى الكمال مالم يزين بالعقل والعقل لا يأتي إلا بتربية الرجال، وقد سئل الإمام الشافعي عن العقل هل يولد به المرء؟ فقال : "لا ولكنه يلقح من مجالسة الرجال ومناظرة الناس".
وهذا الخير لا يحصل إلا بشيء من تعب المجالسة وتعب المدارسة وكوادر الرفقة ولكن النفع كثير مع الجماعة رغم الكدر وهو أكثر أجرا عند الله والعزلة تورث الخطأ وتقلل العمل وتزين الشهوات بالرغم مما تورثه من صفاء ظاهر (قولة ابن عباس).
فوائد حسن الخلق عند الداعية يسهل عليه الأمور ويقرب له القلوب ويقلل به الأعداء ويكثر الأصفياء وتثمر الكلمة الطيبة ويسامح عن الزلل.
ومحاسن الأخلاق لها حدود مقدرة ومواضع مستحقة فإن تجاوز بها الحد صارت ملقا وإن عدل لها عن مواضعها صارت نفاقاً والملق ذل والنفاق لؤم ، وحسن الخلق بعد تقوى الله أكثر ما يدخل الناس الجنة.
حسن الخلق معنى جامع لكل أنواع البر لقوله صلى الله عليه وسلم : البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك.
ويدخل في حسن الخلق :
أ ـ أخذ العفو عن الناس.
ب ـ ومن حسن الخلق أن لا يحقر من المعروف شيء ولو أن يفرغ دلوه في دلو أخيه ويبتسم في وجهه ويحسن الاستماع إليه ويبدأ بالسلام..
يحسن الاستماع كما يحسن الكلام (( قليل الفطنة في الشر يجيد التغافل عن أخطاء الآخرين))
ومما لا غنى للداعية عنه الانبساط للناس دون إفراط ولا تفريط..
المعروف والصلة هما ركنا البر الذي يوصل إلى القلوب والأخوة والمحبة ، وقد أمر الله بالمعروف وقرنه بالتقوى والمعروف نوعان : قولي وعملي.
ولابد من مسارعة كل داعية إلى المعروف لأخيه دون انتظار غيره ولا يكمل المعروف إلا بالإسراع إليه وعدم نشره أو الامتنان به أو احتقاره ولو كان قليلا وفعل القليل أفضل من تركه. ومن المعروف رد المعروف وإسلاف الشكر وعدم ستر الإنعام، وللداعية الأجر لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((كل معروف صدقة)).
قد يتغير الخلق لأسباب عارضة منها ما يعذر الداعية فيه ومنها ما لا يعذر به..
فمما يعذر فيه الداعية :
ومما لا يعذر فيه الداعية :
والداعية المؤمن عليه أن يتقلب بين الخوف والرجاء وبين الشكر والصبر فلا يحزن على مافات ولا يفرح بما هو آت ويحسن عند الإحسان ولا يسيء عند الإساءة.
كبار المراتب والعلماء علينا مناصحتهم بالمعروف دون خوف أو تملق ولكن علينا الستر على زلاتهم وهفواتهم وعليهم هم الستر على أنفسهم وأن يغلقوا باب الفتنة على أنفسهم ويوضح سبب تصرفه وفي هذه القاعدة (جلب لمصالح عديدة ووضع لمفاسد ظاهرة).
بعض الأحيان ينظر الغير إلى الدعاة بشكل سلبي ويكون الاعتراض بسبب بعض أقوالهم وأفعالهم الصحيحة ولكنها مفضولة أو مرجوحة مع وجود الراجح ومن قواعد الشريعة (أن المفضول قد يصير فاضلا لمصلحة راجحة).
الاعتراض له حدود معينة فمن أخطاء الصوفية اعتبارهم الاعتراض على الكبراء زلة لا تغتفر ولكن لا تصح المبالغة في الاعتراض على الأكابر دوما.
ولكن يجب التأني معهم والسؤال عن حجتهم أولا والسكوت عن المسائل التي لم تفهم منهم وعدم اللجاجة في الاعتراض بقصد التعنت والإفحام أو التجني عليهم أو تكذيب روايتهم.
لأن المكلف مقصده وجه الله تعالى من عمله فالأفضل له الاستفادة من محاسن كل شخص فإن عيوبه عليه ومحاسنه لغيره والربح له والخسارة لغيره.
من آداب الطريق أدب الحوار بين الدعاة وقد يظن البعض أن الآداب في المعاملة فقط أو في الرفق بالصغير ولكن الآداب في جميع الأمور ومنها ما ينبغي حتى عند السؤال في أمر من أمور الدنيا والآخرة فعليه بأدب السؤال حتى لو سأله عن اسمه ويكون السؤال بلطف واحترام وتواضع وإجلال دون إكثار وإملال ودون متابعة للسؤال بالأبحاث النظرية والتفريع المذموم عليه ويكره السؤال في عشرة مواطن.
ماذكره الخطيب في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع :
والاستنصات جائز لما رواه البخاري عن جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع : ((استنصت الناس)) رواه البخاري. وفيه أن الإنصات للعلماء لازم للمتعلمين لأن العلماء ورثة الأنبياء .
من آداب المعاملة النصح لله ورسوله وما يترتب على ذلك من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ((الدين النصيحة)) رواه مسلم.
وأئمة المسلمين يقصد بها كل صاحب ولاية دينية أو علمية أو غيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين وللنصح ضوابط لابد من الأخذ بها وهي :
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله