الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي دعا إلى الله على بصيرة, وعلى من اتبعه إلى يوم الدين, جعلنا الله منهم بفضله ومنّه.
فإن الله تعالى أمرنا بعبادته وحده وطاعته, ثم أمرنا بتبليغ دينه إلى الآخرين, وهو الدعوة إلى الصراط المستقيم دين الإسلام, دين الله الحق, قال الله تعالى : {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} [النحل : 125].
يقول ابن تيمية - رحمه الله - : "إن الدعوة إلى الله هي الدعوة إلى الإيمان به, وما جاءت به رسله, بتصديقهم فيما أخبروا به, وطاعتهم فيما أمروا".
وهذا يشمل الدعوة إلى العقيدة وأصول الإيمان , والتحذير من الشرك وأنواعه , والحث على فعل الطاعات والواجبات , والحث على اجتناب المعاصي والمحرمات , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والتحبيب في الفضيلة والتنفير من الرذيلة, واتباع الحق , ونبذ الباطل.
كما أوجبت الشريعة على المسلمين التعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتضافر الجهود, ويتعاون الجميع على إقامة الحق والعدل ومحاربة الفساد والظلم.
وقد جاء الخطاب الشرعي بالأمر بالدعوة إلى الله عاما لجميع الأمة يشمل الجنسين رجالا ونساء, لأن الخطاب إذا ورد بلفظ الذكور كان خطابا للنساء أيضا, إلا موضع الخصوص التي قامت أدلة التخصيص فيه, والقاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها, فإن للمرأة حقوق وعليها واجبات مثل الرجل إلا فيما يختلفان فيه من القدرة والكفاية مما هو مناط التكليف, كما قال عليه الصلاة والسلام : ((إنما النساء شقائق الرجال)) , وعلى ذلك فالدعوة إلى الله واجبة في حق النساء كما هي واجبة في حق الرجال كل بحسب قدرته .
ومن الآيات والأحاديث التي جاءت آمرة بالدعوة إلى الله تعالى , قوله جل وعلا : {قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف : 108].
يقول الشوكاني –رحمه الله– في تفسيره لهذه الآية : {ومن اتبعني} أي : ويدعو إليها من اتبعني واهتدى بهديي, وفي هذا دليل على أن كل متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حق عليه أن يقتدي به في الدعاء إلى الله , أي الدعوة إلى الإيمان به وتوحيده, والعمل بما شرعه لعباده .
وجاء الأمر بها صريحا في قوله تعالى : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران : 104}
يقول ابن كثير -رحمه الله- : "المقصود منها أن تكون فرقة متصدية لهذا الشأن وإن كان واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه".
وأما النص على وجوب الدعوة إلى الله في السنة فمنها قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده, فان لم يستطع فبلسانه, فان لم يستطع فبقلبه, وذلك أضعف الإيمان)).
وقوله صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفسي بيده, لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر, أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه , فتدعون فلا يستجاب لكم)).
كل هذه النصوص وغيرها كثير تدل على وجوب القيام بالدعوة إلى الله, والأمر بذلك عام على جميع المسلمين رجالا ونساء, ولكن للدعوة مجالات وميادين مختلفة, منها ما يكون مناسبا للجميع, ومنها ما يكون مناسبا لفئة دون أخرى.
ولقد ضرب لنا نساء الأمة في جيلهن الأول أروع المواقف الدعوية مع الزوج والأبناء والأهل وفي أوساط النساء , كأمثال أمهات المؤمنين وبنات النبي صلى الله عليه وسلم وكثير من نساء الصحابة, كأسماء ذات النطاقين, وأم سليم, ونسيبة بنت كعب, وصفية بنت عبد المطلب, وأم شريك وغيرهن رضوان الله عليهن جميعا .
وعلى هذا فلا يختص هذا الواجب بالعلماء والدعاة وطلاب العلم بل هو عام على الجميع, ولكن يختص العلماء وطلاب العلم بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه, بل إن الواجب يتعلق بالعلم ولو بجزئية يسيرة من الدين, فمن تعلمها وصار عالما بها وجب عليه العمل بها مع تبليغها للآخرين. فالمسؤولية مسؤولية كل مسلم ومسلمة, كل على حسب قدرته وعلمه, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((بلغوا عني ولو آية)).
إن بعض النساء تحصر الدعوة إلى الله في الدروس العلمية والمحاضرات , وتستبعد أن يكون قيام المرأة بتربية أولادها وتأثيرها على زوجها ونصحها لزميلاتها في العمل أو صديقاتها في الدراسة أنها دعوة , بينما هي في الحقيقة دعوة مباركة بلا هي أهم مجالات الدعوة.
هناك جانب مهم في موضوع الدعوة له أثر عظيم في تقوية الرغبة لغوص مجالات الدعوة والحرص عليها, كما أنه يبعث العزيمة ويحمل على الصبرعلى ماقد يصيب الداعية, ألا وهو العلم بما أعده الله تعالى من الأجر العظيم والمنزلة الرفيعة التي شرف الله بها الدعاة إلى طريق الخير والصلاح.
إلى غير ذلك من الفضائل والمكرمات التي امتن الله بها على من دعا إلى سبيله .
وحيثما تحدثنا عن أهمية الدعوة إلى الله ووجوبها في حق المرأة وفضلها، فمن المهم أن ألقي الضوء على بعض مجالات الدعوة وميادينها التي هي من مهام المرأة ومسؤوليتها .
وأهم ذلك وأوجبه تربية الأولاد تربية إسلامية، قال قتادة : ( تأمرهم بطاعة الله وتنهاهم عن معصيته, وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه ) .
فالأم هي الداعية الأولى في البيت , وهي في التأثير على الأبناء أقدر من الأب , وذلك لاتصالها بهم منذ اللحظة الأولى من ولادتهم , والأعرف بنفسياتهم وما يلائمهم , ولأنها معهم أغلب الأوقات , فهي تلاحظ ما يطرأ عليهم من التغيرات , ومايقع منهم من أخطاء .
بالإضافة إلى أن اعتناء الأم الداعية بإصلاح بيتها وتربية أبنائها هو أسلوب مؤثر وفعّال من أساليب الدعوة بالقدوة , والإشعار العملي للآخرين بإمكانية تكوين أسرة صالحة على نهج السلف في زمن عمّت فيه الصوارف والفتن , ويتعذر فيه كثير من الآباء والأمهات بصعوبة تنشئة أبناء صالحين في هذا الزمان .
إن على الأم أن تعتني بتربية أبنائها على بعض الأمور الأساسية مثل :
ومن مجالات دعوة المرأة في البيت محاولة دعوة زوجها والتأثير عليه , ولكن الأمر قد يتطلب بعض المجاهدة وقد يطول أمد الاستجابة فيحتاج إلى صبر , فعلى الزوجة الداعية أن تكون صابرة محتسبة حكيمة في دعوة زوجها , سائلة الله له الهداية .
وفي المقابل فإن من مهام المرأة الدعوية مساندة الزوج الداعية وتشجيعه والتخفيف عنه , وأن تبث في نفسه الثبات على طريق الدعوة .
ومن مظاهر الدعوة إلى الله في البيوت : ممارسة المرأة الدعوة مع الخدم بدعوتهم لتصحيح العقيدة , وتحذيرهم من الشرك والبدع المنتشرة في كثير من البلاد الإسلامية , وتعليمهم أمور الدين المهمة كالطهارة والصلاة ونحوها . وقد تيسرت وسائل دعوة المسلمين غير الناطقين باللغة العربية , فقد انتشرت الكتب والأشرطة الإسلامية باللغات الأجنبية عن طريق مكاتب دعوة الجاليات التي ترعاها وزارة الشؤون الإسلامية .
فتسهم بالدعوة إلى الله في المجتمع الذي تعيش فيه , كدعوة القريبات وزميلات العمل , والصديقات والجارات , بتقديم النصح لهن بأسلوب مناسب يتفق مع آداب النصيحة وبأسلوب محبب ولطيف. والاعتناء بتحسين العلاقة معهن والتعاون فيما بينهن لكسب قلوبهن للخير وقبول النصيحة.
وعليها استغلال الجلسات الأسرية في طرح مواضيع مفيدة تصلح للمناقشة, وإقامة المسابقات الممتعة , والاعتناء بتوزيع الأشرطة والمطويات والكتيبات التي تعني بمواضيع المرأة .
ولانغفل دور المعلمة في ممارسة الدعوة مع طالباتها , بل هو من أخصب وأهم مجالات الدعوة إلى الله وأرجاها لقبول الطالبة. فمن المعلوم أن تأثر الفتاة وخاصة في سن المراهقة بمعلمتها يكون أكثر من سواها ولا سيما إذا أحبتها.
وعلى المعلمة أن تهتم بدعوة زميلاتها في المهنة, وحثهن على الإخلاص في العمل وإتقانه, والتحدث معهن في أوقات الراحة في مواضيع تهم المرأة المسلمة.
وقد ضربت لنا أم شريك –رضي الله عنها– مثالا عمليا في الدعوة في أوساط النساء كما رواه ابن عباس –رضي الله عنهما– حيث قال : ((وقع في قلب أم شريك –رضي الله عنها– الإسلام, فأسلمت وهي بمكة, وكانت تحت أبي العكر الدوسي , ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة, فأخذوها وقالوا : لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا ولكنا سنردك إليهم)).
ومن مجالات الدعوة إلى الله في وسط النساء اصطفاء مجموعة من النساء لمدارسة بعض العلوم الشرعية وللتفقه في الدين, وتخصيص هذا الأمر بالزمان والمكان , حتى تعد الداعية نفسها وغيرها بالعلم والبصيرة في الدين لاسيما في المسائل التي عمت بها البلوى في أوساط النساء كالسفور والاختلاط والغيبة وغيرها.
وعن طريق القصة الهادفة ونظم الشعر والمشاركات الصحفية في المجلات والصحف, وألا تترك تلك المجالات للأقلام الهدامة والعابثة , فعلى المرأة التي تحمل هم الدعوة وأن تعني بهذا الجانب الهام والخطير في الوقت نفسه, والذي هو من أقوى عوامل التأثير الفكري.
ومن المجالات الحديثة المناسبة لقيام المرأة بالدعوة إلى الله المشاركة عن طرق شبكة الانترنت, وهي تفتح باب دعوي عالمي ومتيسر في كل زمان ومكان.
والآن وبعد ذلك لعلنا أخواتي المسلمات نشعر بأبعاد مسؤوليتنا في الإصلاح والتغيير, ويتأكد لدينا واجب الدعوة في هذا العصر الذي عصفت بالناس فيه رياح الفتن وروّجت فيه الشبهات, فأصبحت الدعوة واجبة على كل من حمل هذا الدين بصدق وإخلاص من الرجال والنساء, والشيب والشباب, كل يقوم بهذه المهمة على حسب حاله وطاقته, وعلى حسب إيمانه وعلمه, ومن ثم على حسب تحسسه لواقع المسلمين وأحوالهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله