خطة البحث وتحتوي على :
وستة مطالب وهي :
المقدمة :
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وصلي اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد..
فيقول الله تعالى : {ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} [فصلت : 33] ، ويقول : {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران : 104]، ولذا فإن من أفضل الأعمال دعوة عباد الله تعالى إليه سبحانه، فالمؤمن يجيب دعوة الله ويدعو الناس إلى عبادته عز وجل ويعتز ويفتخر بدينه الذي ارتضاه الله عز وجل للناس أجمعين، قال سبحانه وتعالى : {ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران : 85]، يقول مجاهد : (فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله وعمل عملاً صالحاً وهو تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه وكان من المسلمين لا من غيرهم فلا شيء أحسن منه ولا أوضح من طريقته ولا أكثر ثواباً من عمله) (1)، فلم يفرق الله عز وجل بين الرجل والمرأة في هذا الأمر فلذا تسارع الصحابيات رضي الله عنهن في سبيل الدعوة إلى الله فسجلن أروع المواقف، فلكل واحدة منهن نماذج مضيئة في مجال الدعوة لأن الإسلام كرَّم المرأة أماً وبنتاً وأختاً وزوجة فساوى بينها وبين الرجل في أمور كثيرة ومنها مجال الدعوة إلى الله عز وجل، فلذا عرفت المرأة المسلمة في أول عهدها واجبها تجاه ربها ودينها ونبيها ومجتمعها فحققت عبوديتها لله عز وجل وهذه نماذج من النساء الصحابيات رضي الله عنهن ونحن بحاجة إلى معرفة مواقفهن في زمن انتعش فيه الباطل.
لعل أعظم أنموذج مضيء للمرأة المسلمة هي سيدة نساء العالمين، أعظم نموذج للمرأة الداعية، وللزوجة الصالحة المثالية، فقبل بعثته صلى الله عليه وسلم كانت تلاحظ ميله إلى التحنث والخلوة فكانت تشجعه وتمده بالزاد وبكل ما يحتاجه، فلم تتضجر ولم تتأفف لبعده عنها، بل كانت في بعض الأحيان تذهب إليه في الغار و توأنسه وتجالسه، وعندما أوحي إليه عاد إليها يرجف فاستقبلته بكل الحب والعطف والحنان والحكمة فكان لها الموقف الفريد الذي سجله لها التاريخ بمداد من ذهب، فعندما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده روعاً ويقول : زملوني زملوني فزملته حتى ذهب الروع عنه وانطلقت به إلى ورقة بن نوفل بعد أن قررت سنة كونية أدركتها برجاحة عقلها وفطرتها السليمة فقالت : (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) (2)، ثم انطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد، وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الخط العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله له أن يكتب، فقالت : اسمع من ابن أخيك ما يقول، فقال : يا ابن أخي ما ترى ؟ فأخبره، فقال : هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو مخرجي هم ؟ قال ورقة : نعم، لم يأت رجل بما جئت به إلا أوذي وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي)2، فكانت خديجة رضي الله عنها أول من دخلت في دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم تكتف بذلك بل خففت من روعه وخوفه ودثرته وصبرت حتى يجف عرقه ويهدأ فؤاده ثم بدأت توضح له أن الله معه لأنه يتصف بصفات الكرام الأوفياء ثم ذهبت به إلى رجل تعرف أنه يدرك أموراً تفيد زوجها وهذا ما حصل، فبشره ورقة بن نوفل بالنبوة والرسالة ثم حثه على الصبر والتؤدة لأنه سوف يلاقي أصنافاً من العذاب والبلاء ومنها إخراج قومه له، فقد صبرت رضي الله عنها على الدعوة ونشرها بكل الطرق والوسائل فاستحقت بشرى رب الأرباب ببيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه : (أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن خديجة قد أتتك بإناء فيه طعام أو إدام أو شراب، فإذا هي أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)(3) والمراد بالقصب اللؤلؤ المجوف.
فخديجة رضي الله عنها ضحت بمالها ووقتها وراحتها وسعادتها من أجل الدين الإسلامي ونشره، فلذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلهج بذكر خديجة رضي الله عنها، تقول عائشة رضي الله عنها : (لا تزال تلهج تذكر خديجة، إن هي إلا عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر، قد أبدلك الله خيراً منها) (4)، فقال عليه الصلاة والسلام:(لا والله ما رزقني الله خيراً منها، آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، وأعطتني مالها حين حرمني الناس) (5) فلذا تركت لنا رضي الله عنها نماذج مضيئة مشرقة في سبيل الدعوة إلى اله تعالى ومنها :
1.التضحية بالسعادة والراحة من أجل الدعوة.
2.القوة والجلد حيث كانت تصعد إلى غار حراء لتؤنس الرسول صلى الله عليه وسلم وتحضر له الزاد وكان ذلك قبل النبوة.
3.الصبر على بعد زوجها وفراقه في سبيل الدعوة إلى الحق.
4.الفراسة حيث كانت تتابع صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فتيقنت بأن له شأن عظيم.
5.الحكمة في تصرفاتها فتضع كل أمر في موضعه، ومن أبرز صور الحكمة أخذها لزوجها إلى ورقة بن نوفل.
6.تنوع أساليب الدعوة إلى الله فقد تكون بالفعل أو القول أو الاستعانة بالآخرين وهذا ما قامت به هذه السيدة الجليلة عند عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من الغار.
7.التدرج في الأعمال وعدم التسرع فيها.
8.اليقين بالله تعالى بنصرة الحق على الباطل.
كل تلك الصور وغيرها قامت بها خديجة رضي الله عنها من أجل نشر الدين.
قد اشتهر بنو مخزوم بالرأي والشجاعة وشاركتهم أم سلمة رضي الله عنها في رأيهم وشجاعتهم وفازت عليهم بدخولها في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بلغ من شجاعتها وصلابتها في سبيل الدعوة الإسلامية أن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما أذن للمسلمين بالهجرة إلى يثرب بادر الناس إلى ذلك، فكان أبو سلمة بن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة أول من خرج ولكنها احتبست دون زوجها، ومُنعت من اللحاق به سنة، وحيل بينها وبين ولدها سلمة، ثم خرجت بعد السنة بولدها إلى المدينة وحدها بعد أن رق لها بعض أهلها وأذنوا لها بالهجرة، فخرجت وحيدة تقصد الطريق الوعر دون خوف أو وجل وتنوي أن تُبلغ الدعوة الجديدة من تلقى في الطريق وتصادف في سبيلها عثمان بن مظعون، فسألها عن أمرها، ولما عرف أبت مروءته أن يتركها تضيع أو تضل الطريق فسار بها إلى المدينة(6).
وبعد وفاة أبي سلمة رضي الله عنه كان لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل خلف، فكانت من أهل مشورته، وممن حمل عنه العلم والحديث، كما كانت ممن ثبت معه في المواقف الحرجة، فلقد مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقات صعبة في جهاد المشركين وكان من أصعبها صلح الحديبية، وثَقُلَ هذا الصلح على المسلمين وقَبِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد الهدنة مع قريش، ونفرت نفوس كثير من المسلمين من هذا الصلح، ولم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الساعة إلا القليل وكان ممن ثبت معه زوجه أم سلمة بنت أبي أميه، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل مكة وكتب كتاب الصلح بينه وبينهم، فلما فرغ قال للناس : (قوموا فانحروا ثم احلقوا) قالا : فو الله ما قام منهم رجل، حتى قالها ثلاثاً، فلما فرغ قالت أم سلمة : يا رسول الله لا ترى أحداً منهم يفعل ذلك حتى تنحر بُدنك وتدعو الحلاق فيحلقك، فخرج ففعل، فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا حتى كادوا يقتتلون على الحلاق، وجعل بعضهم يحلق بعضاً) (7) فكان لمشورتها فائدة عظمى في تفريج هم الرسول صلى الله عليه وسلم وفي طاعة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين له، وقد عاشت أم سلمة رضي الله عنها برهة من الزمن مع النبي صلى الله عليه وسلم في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تتزعم قسماً كبيراً منهن وتتوسط إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمورهن وأمور المسلمين، وكانت تسأله عن الفرائض، وتعلم سائليها، وبقيت بعده نصف قرن تهدي بهديه وتحدث بحديثه، ولم تتدخل في سياسة الحكم، فكانت تقول : (إن جهاد النساء غض الأطراف وضم الذيول وإنها لا تهتك حجاباً ضربه عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم) (8) وكان من مواليها علماء من أئمة الأمة الإسلامية، فمنهم شيبة بن نضاح و أبي ميمونة وهما من قرَّاء المدينة الأعلام وكانا من أشياخ نافع بن أبي نعيم المدني المقرئ المشهور يقول الإمام الذهبي يرحمه الله : (وكانت رضي الله عنها تُعد من فقهاء الصحابيات ويبلغ مسندها ثلاث مئة وثمانية وسبعون حديثاً وأتفق البخاري ومسلم لها على ثلاثة عشر انفرد البخاري بثلاثة ومسلم بثلاثة عشر)(9).
ولو لم يكن لفضلها إلا مشورتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحلق في قضية الحديبية، لمَّا امتنع منه أكثر أصحابه لكفاها، ولكنها تركت لنا نماذج مشرقة في سبيل الدعوة الإسلامية منها :
1.المسارعة بالحفاظ على الدين الإسلامي فكانت هي وزوجها من أول الذين لبوا النداء للخروج إلى يثرب.
2.التضحية بنفسها وابنها من أجل الحفاظ على الدين.
3.الصبر على بُعد ابنها والتعذيب لها فلم تهن ولم تحزن حتى أكرهت بعض أهلها على الإذن لها بالرحيل.
4.الانقياد والشجاعة والعزم على دعوة الذين تراهم في الطريق من مكة إلى يثرب إلى دين الإسلام بكل قوة ويقين دون خوف أو تردد.
5.الانقياد لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم عند موت زوجها فلم تصرخ ولم تتضجر بل قامت بما أمرها بها الرسول صلى الله عليه وسلم فتركت لنا أروع الصور لصبر المرأة المسلمة.
6.اهتمامها بالفقه والفرائض فكانت من أعلم الصحابيات بذلك فكانت تسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ثم تقوم بتعليم تلك الأمور.
7.الحكمة وحسن التصرف في موقفها عند صلح الحديبية.
8.عدم تدخلها في سياسة الحكم، فضربت أروع الأمثلة للنساء المسلمات(10).
إن سمية أم عمار بن ياسر رضي الله عنها قد جاهدت وكابدت وناضلت في سبيل نشر الدعوة الإسلامية، فلم تهتم بالنفس والنفيس من أجل تلك الدعوة، حيث كان أبو جهل يكيل لها السباب والشتائم والضرب والتعذيب، فلا يرى منها إلا الاستخفاف به والاستعلاء بدينها، بل وتُصر على عقيدتها بكل يقين وثبات لعلمها بأن الجزاء عظيم عند الله سبحانه وتعالى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم :
(والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يُكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك) (11)، لذا فقد قدمت نفسها رخيصة في سبيل الله لتكون لبنة في بناء الإسلام الشامخ، ولتكون قدوة لغيرها في الثبات على الدين، فما أرخص الأنفس حين تكون ثمناً للجنة يقول الله تعالى : {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يُقاتلون في سبيل الله فَيَقتُلُونَ ويُقتَلُونَ وعداً عليه حقاً في التوراة والنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة :111].
فلم تكن تأبه للتعذيب والتنكيل حتى ضاق بها أبو جهل ذرعاً فطعنها بحربة معه في فخذها فسرى الرمح في فرجها فماتت شهيدة، فكانت أول شهيدة في الإسلام، فنالت البشرى من الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى عندما كان يمر عليها وهي تعذب فيقول لها : (اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) (12)، ومرت الأيام وانتقم الله لسمية رضي الله عنها وغيرها وقتل أبو جهل يوم بدر كافراً فعندها قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر قد قتل الله قاتل أمك، فقد ضحت بكل ما لديها في سبيل نشر الدعوة الإسلامية فضربت أفضل النماذج ومنها :
1.التصميم والإرادة وتحمل التنكيل والعذاب من أجل العقيدة.
2.الاعتزاز بالدين الإسلامي.
3.بذل الغالي والنفيس من أجل الدين.
4.الصبر والجلد إلى آخر رمق من حياتها.
5.بيع النفس لله فنعم البيعة ونعم المشترى.
أسماء والدة عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما، أسلمت بعد سبعة عشر نفساً وكافحت وناضلت من أجل نشر الدين الإسلامي، وقد قامت بأعمال لا يستطيع العتاه من الرجال أن يقوموا بها فعندما عزم الرسول صلى الله عليه وسلم على الهجرة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر نصف النهار في ساعة لم يكن يأتيه فيها متقنعاً فقال له : (أَخرج من عندك)، فقال أبو بكر : إنما هم أهلك يا رسول الله، فقال : (إن الله أذن لي في الخروج)، فقال أبو بكر : الصحبة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم)، فقال أبو بكر : فخذ بأبي وأمي أنت إحدى راحلتي هاتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن) (13)، وتقول عائشة رضي الله عنها : (فجهزناهما أحث الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة عن نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين) (14)، وبعد أن خرجا جاء أبو جهل فلطمها لطمة على خدها حتى سقط قرطها من أذنها سائلاً أين ذهب والدها، وأين هو الآن، فأجابت بعدم المعرفة، فهي لا تعلم حقاً أين هما في تلك اللحظة، وما كاد أن يغادر أبو جهل حتى جاء جدها قائلاً : ما أظنه إلا فجعكما بماله كما فجعكما بذهابه، وكان قد أدرك بفراسته أن ابنه قد رحل، فما كانت من أسماء إلا أن جمعت الحصى ووضعته في جراب النقود فقالت له : يا جدي قد ترك لنا كل هذا، وكان جدها أعمى فوضع يده وشعر بأن هناك الكثير من المال وهو في الحقيقة حصى، فلم يتفوه بشيء، وبعد ذلك تتحمل وعورة الطريق وتسير من مكة إلى قدمها سيراً على قدمها، وتحاول أن تغير المشية فمرة تقدم اليمنى ومرة تقدم اليسرى ومرة تتجه ذات اليمين ومرة ذات الشمال، حتى تحاول أن تطمس آثار أقدامها، بل جاءت في بعض الروايات أنها تنقل القدم من التراب ثم تمسح بالقدم الأخرى الأثر حتى لا يصل أحد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيؤذيه، فيالها من شجاعة وبسالة ورباطة جأش من امرأة حامل في أيامها الأخيرة لا تخشى على نفسها ولا وليدها وكل ما تحمله من هم هو نشر الدين الإسلامي وحمايته بكل الوسائل والطرق، كانت من أشراف العرب ومع ذلك عندما تزوجت الزبير ولم يكن له مال ولا أرض ولا مملوك ولا يملك إلا فرسه فكانت تعلف الفرس وتكفيه مؤونته، وتدق النوى وتنقله مسافات طويلة، وتفعل كل ما في وسعها وزيادة لعلمها بأنه فرس يستفاد منه في الجهاد في سبيل الله وحتى تترك زوجها يقوم بأعمال أخرى من أجل نشر الدين الإسلامي، وقد هاجرت إلى يثرب وهي حامل من زوجها الزبير ولم تخش على حملها ووليدها وعورة الطريق وشدته، فوضعت عبد الله بقباء فكان أول مولود من المهاجرين، وقد وقفت هذه المرأة الصلبة أمام الشدائد وهي في مقتبل عمرها كما وقفت كذلك في خاتمة عمرها، فعندما جاء ابنها يستشيرها في موقفه من الاستمرار أو التوقف حيث أنه خشى على نفسه أن يُمثل به بعد استشهاده، فقالت كلمتها المأثورة التي لو كتبت بمداد من ذهب لما أعطيت حقها : (وهل يضير الشاة سلخها بعد ذبحها)، فشجعته على الاستبسال وعدم الخوف والخنوع وأن يقدم نفسه رخيصة في سبيل الدين الإسلامي، وقد وقفت هذه الصحابية الجليلة رضي الله عنها أمام الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي بعد أن قتل ابنها وصلبه فترة طويلة فقالت : أما آن لهذا الراكب أن ينزل، فقال لها الحجاج : المنافق، فقالت : لا والله ما كان منافقاً وقد كان صواماً قواماً، فقال لها : اذهبي فإنك عجوز قد خرفت، فقالت: لا والله ما خرفت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (يخرج من ثقيف كذاب و مبير فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو)(15)، فلم تأبه به واستخفت لرأيه وتركته، فلم تهن ولن ترضخ له ولم تسمح لابنها بالرضوخ له بل وجهته إلى السمو والعلو والاعتزاز بالدين فتركت أروع النماذج المضيئة في دعوة الناس إلى الدين ومنها :
1.التكتم في حفظ السر حيث إنها علمت بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبيها ولم تتفوه بكلمة بعد تنكيل أبي جهل لها.
2.الحكمة في التصرف والسداد حيث أوهمت جدها بأن أباها قد ترك لهما مالاً وفيراً.
3.حرصها ودرايتها في تتبع الآثار حيث حاولت إخفاء أثرها.
4.حسن التصرف حيث جعلت الطعام والسقاء في نطاقها فلا يشك أحد بأنها تنقل طعاماً أو شراباً حيث إن النساء يستخدمن الأنطقة.
5.شجاعتها وعزيمتها وصبرها في تحمل وعورة ومشقة الطريق مع كونها في الأيام الأخيرة من حملها.
6.عدم الخنوع والذل أمام الجبابرة والعتاه.
7.تقديم محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على جميع المحاب فتمثل فيها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه منه كما يكره أن يقذف في النار)(16).
إن هذه المرأة قد أسلمت ولم يكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد دخل في الإسلام، فكانت تجتمع مع زوجها وتجمع الناس لتعليمهم القرآن الكريم والدعوة الجديدة، وفي مرة من المرات خرج عمر بن الخطاب مشهراً سيفه يريد قتل محمد صلى الله عليه وسلم فسأل عن داره حتى يقتله، فأجابه رجل من المسلمين يخفي إسلامه بقوله : إن أختك قد صبأت وخرجت من دين أجدادها، فجاءها عمر مهدداً متوعداً وكان عندهما خباب بن الأرت يقرأ سورة طه، فضربها ضرباً شديداً حتى أدمى وجهها وهي صامدة ثابتة لم تهن ولم تحزن وتقول بإصرار وعزيمة وعزة : يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما يئس عمر قال : أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرؤه فقالت فاطمة : إنك رجس ولا يمسه إلا المطهرون قم فاغتسل أو توضأ، فكان لصمودها تأثير عظيم في بعث روح الإسلام مع أعظم الرجال مهابة وأشدهم على الإسلام والمسلمين، فلم يستطع عمر أن ينزع الإيمان من قلبها بل استطاعت هي بفضل الله أن تجعل قلبه يخشع لذكر الله، يقول ابن مسعود رضي الله عنه : (ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر)، فعندما أسلم خرج المسلمون يرفعون أصواتهم بالتهليل والتكبير والتسبيح ولم يستطع أحد منهم أن يفعل ذلك قبل إسلامه رضي الله عنه، فلذا فقد تركت لنا فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها أروع الأمثلة في سبيل الدعوة للدين الإسلامي ومن تلك النماذج :
1.ذكائها في التخفي حتى لا تتعرض للإيذاء.
2.اهتمامها بنشر الدين الإسلامي وتعليم الآخرين.
3.شجاعتها وصبرها في تحمل الضرب والتنكيل من أخيها عمر رضي الله عنه.
4.عدم الخنوع وقوة اليقين فعندما طلب عمر الصحيفة لم تعطها له إلا بعد أن يتطهر.
5.استخدام العبارات المناسبة للحال.
وهناك العديد والعديد من الصحابيات اللاتي بذلن الغالي والنفيس من أجل نشر الدين الإسلامي حيث كانت إحداهن تنال أشد العذاب من أجل الإسلام، ومن هؤلاء
فقد كانت من السابقات للإسلام وممن عُذب في الله تعالى، عذبها أبو جهل عذاباً قاسياً حتى ذهب بصرها فاستهزأ بها فقال المشركون : أعمتها اللات والعزى لكفرها بهما، فردت بلسان المؤمنة الصابرة الواثقة بما عند الله من النصرة، وما يدري اللات والعزى من يفيدهما إنما هذا من السماء وربي قادر على رد بصري فأصبحت وقد رد الله بصرها، فضربت أجمل التضحيات بكل قوة وشجاعة ويقين في سبيل نشر الدين الإسلامي.
أسلمت سراً وجعلت تدعو إلى الله وترغب النساء في الإسلام دون كلل أو ملل صابرة على ما أصابها من أذى، فعلم بها المشركون فأخذوها وقالوا : لنعذبنك عذاباً شديداً ثم ارتحلوا بها عن دارها وحملوها على شر جمل وأطعموها الخبز والعسل ولا يسقونها قطرة من ماء حتى إذا انتصف النهار وسخنت الشمس نزلوا فضربوا أخيمتهم وتركوها في الشمس حتى ذهب سمعها وبصرها وعقلها فظلوا في ذلك ثلاث أيام، فقالوا لها في اليوم الثالث : اتركي ما أنت عليه، فقالت : ما دريت ما يقولون إلا الكلمة بعد الكلمة فأشير بأصبعي إلى السماء بالتوحيد، وتقول عن نفسها : فوالله إني لعلى ذلك وقد بلغت الجهد إذ وجدت برد دلو على صدري فأخذته فشربت منه نفساً واحداً ثم انتزع مني فذهبت انظر فإذا هو معلق بين السماء والأرض فلم أقدر عليه ثم دُلي لي ثانية فشربت منه نفساً ثم رفع فذهبت انظر فإذا هو بين السماء والأرض ثم دُلي لي الثالثة فشربت منه حتى رويت، فعندما جاء المشركون ووجدوها وقد تنضر وجهها ودبَّت الحياة فيها وأثر الماء على جسدها فذهبوا يتفقدون الماء فوجدوه على حاله فجن جنونهم وسألوها من أين أتيتِ بهذا الماء فأخبرتهم، فدخلوا جميعهم في الإسلام، فانظر إلى مدى التضحية في سبيل الدعوة، وهناك العديد والعديد من الصحابيات رضي الله عنهن اللاتي بذلن كل ما يملكن في سبيل الدعوة كأم حبيبة بنت أبي سفيان وأسماء بنت عميس، ونسيبة بنت كعب، وعائشة بنت أبي بكر الصديق، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم وغيرهن كثير.
ليت النساء الآن يقتدين بهؤلاء النسوة الكرام فيأخذن منهن ولو اليسير من العفة والطهارة والعلم والجهاد والصبر والتضحية وغير ذلك كثير.
نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يناضل ويجاهد في سبيل نشر الدين الإسلامي إلى آخر رمق من حياتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
(1) أخرجه الإمام الشوكاني فتح القدير 4/515.
(2) البخاري كتاب الوحي، باب بدء الوحي 1 / 21-27.
(3) البخاري كتاب الفضائل، باب تزويج خديجة وفضلها رضي الله عنها 7 / 108-109.
(4) البخاري كتاب الفضائل، باب تزويج خديجة وفضلها رضي الله عنها 7 / 104-105.
(5) أحمد في المسند 6 / 118، والهيثمي في مجمع الزوائد 9 / 227 وقال رواه أحمد وإسناده حسن.
(6) زاد المعاد 3 / 44.
(7) البخاري كتاب الفضائل، باب فضل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 7 / 353-357.
(8) العقد الفريد 5 / 62، وسيرة ابن هشام 2/316-319.
(9) سير أعلام النبلاء 20 /210.
(10) سُبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد 5/79.
(11) البخاري كتاب الجهاد، باب من يُجرح في سبيل الله عز وجل 6 /15.
(12) البخاري كتاب الفضائل، باب مناقب حذيفة وعمَّار رضي الله عنهما 7/358-359.
(13) البخاري كتاب الفضائل، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم 7/183.
(14) البخاري كتاب الفضائل، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم 7/183-184.
(15) مسلم كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها 16 / 98-100.
(16) البخاري كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان 1/151.
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله