الرئيسية > الدعوة > الدعوة والدعاة > مقاﻻت دعوية > إعداد الداعية ومعالجة بعض مشاكل الدعوة  

إعداد الداعية ومعالجة بعض مشاكل الدعوة

الشيخ / محمد محمد أبو فرحة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله ومن اهتدى بهداه ـ وبعد

فإن الجامعة الإسلامية التي نسعد اليوم بالاجتماع في رحابها الطيبة الفسيحة قامت لتؤدي رسالة الدعوة إلى الله تعالى وإلى الرجوع إلى دينه الحنيف الصافي مما علق به وزاد فيه على مدى القرون السابقة: من شوائب تمس العقيدة ومن تشقيقات تبلبل الفكر في العبادة ومن سلوك مشين يصرف المسلمين رويداً رويداً عن آداب دينهم وأخلاقه.

نعم أقيمت الجامعة لتؤدي هذه الرسالة بعد أن تخلى عن القيام بها أو ضعف التصدي لأعدائها العديد من الجهات. فمنذ تأسست عملت في صمت وسكون على تربية وتدريب أبنائها على القيام بأشرف الأعمال وأعلاها قدراً وأعظمها شأناً وهي الدعوة إلى الله تبارك وتعالى على بصيرة.

فلما بعثت بالكثيرين من أبنائها والمتخرجين فيها إلى العديد من الدول الإسلامية وغير الإسلامية ووضعت لنفسها وللدعوة نقاط ارتكاز في أنحاء مختلفة من العالم وعلى مدى خمسة عشر عاماً من الزمان وهي مدة النضج لها، بدأت بالدعوة إلى مؤتمركم هذا المبارك إن شاء الله تعالى في هذا الزمان وهذا المكان لتشتركوا معها في رسم خطة طويلة الأمد تتبين على ضوئها خير الطرق وأصلحها للقيام بالدعوة.

الظروف مواتية:

وأرى أن الظروف متاحة الآن للدعوة ومهيأة للقيام بها في أنحاء مختلفة بعد أن أصبح المفكرون في العالم كله يتطلعون إلى منقذ ينقذه مما تردى فيه من فجور وفسوق واضطراب نفس وبلبلة فكر شملت الكبار والصغار والنساء والرجال واستشرى ـ ضرورة في الريف بعد أن عم المدن ولم يجد المفكرون من أهل الأديان الأخرى في أديانهم التي يتدينون بها. ما يسد فراغهم الروحي الديني وما يسكن نفوسهم المضطربة فبدأوا يبحثوا عن مشعل يهديهم السبيل ويقودهم إلى ما يملأ قلوبهم هداية ونفوسهم أمنا.

والمجتمعات كلها غارقة فيما جد من مذاهب وما استحدث من مبادئ وكلها تتجاذب الناس إلى ناحيتها وتغريهم بما تنمقه من دعايات وما تزوقه من أساليب وتخاطبهم زورا بما تهفوا له النفوس القلقة وتناديهم بالنغمة التي يسمعونها وتلمس مواضع الآلام في نفوسهم وتتبنى مشكلاتهم وتنصب نفسها للدفاع عنهم والمطالبة بحقوقهم تعدهم بتحقيقها مهما اعترضها من صعاب وتمنيهم بنظام متكامل ينقذ العالم مما تردى فيه من أنظمة براقة ومبادئ وعدته بالسعادة في الدنيا. وبالراحة والأمن والإطمئنان فيها. ولكنها لم تحقق له السعادة بل هوى بسببها في الشقاء ولم تهيء له الأمن فقد أصيب من جرائها بالذعر والخوف. ولم يعد يطمئن على عرض ولا على نفس ولا على مال مما له في الحياة.

نعم العالم اليوم في حاجة إلى الإسلام باعتباره نظاما عاما لشئون الحياة يقي البشرية من ويلات الحروب المدمرة ويقر العدل بين الناس ويطبق الإخاء والمساواة بين البشر وينشل الإنسان مما تردى فيه من وحل المادية الوبيئة الآسنة: بعد أن جرب العقائد الأخرى فانحطت بإنسانيته إلى ما دون ـ الحيوانات وبعد أن جرب نظام الرأسمالية والشيوعية: فاعتصره الأول وأذله ومحا إنسانيته الثاني. وفشلت الأنظمة الأرضية كلها في تحقيق أدنى طمأنينة للإنسان.

أيها الإخوة:

إن قضية الدعوة في الزمان الحاضر تختلف تمام الإختلاف عنها في الماضي فمشكلاتها اليوم شملت الأسرة وامتزجت بالمجتمع وتغلغلت في الأنظمة الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والتعليمية كما صبغت بألوان الجنس واللون والوطن والقومية وتعددت المذاهب والمبادئ وخطط للقضاء على القيم الروحية والأخلاقية تخطيط مادي ونفسي واجتماعي يهدف أول ما يهدف إلى تفتيت الأسرة بإعتبارها اللبنة الأولى في كيان المجتمع. واستغلت في ذلك وسائل الإعلام والتي يدفع الجمهور المجني عليه منها نفقاته من دمه. سواء في ذلك الصحافة والإذاعة والتلفزة والأفلام المتنقلة داخل البيوت في صمت وخفاء، بما يجعل دعوة الفساد والخروج على روح الأديان كلها وعلى القيم الأخلاقية، يصل إلى النساء والأمهات في خدورهن ومخادعهن وإلى الشباب في معاهدهم ومصانعهم ويصل إلى الفلاحين في حقولهم وإلى المسافرين على سطوح البحار أو على متون القفار. وساعد أصحاب الأغراض والأهواء على إشاعتها وأغمض الحكام وأولوا الأمر ( أغلب الدول ) عيونهم عن أضرارها: إما لهوى في نفوسهم أو شرا، لعواطف الجماهير أو رغبة في تمييع الشعوب وصرفها عن مناقشة سياستهم ومطالبتهم ـ بالإصلاحات الداخلية وشارك بعض الآباء أولادهم في سيرهم وشجعوهم على إنحرافهم إما يأسا من إصلاحهم وإما لهوى في نفوسهم.

كما أن الأنظمة الحكومية التي كانت تبيح النشاطات الإصلاحية قد انتهت أو كادت وحل محلها أنظمة أخرى فيها دكتاتورية جامحة تربي قادتها وأولوا الأمر فيها على الحقد على الإسلام وعلى إحتقار المسلمين.

مهمة الداعي

مما سبق يتضح أن مهمة الداعي الإسلامي أصبحت شاقة وصعبة ودقيقة جداً لأنه يعيش في هذا الجو بنفسه وبأسرته فأينما يوجه وجهه يرى الفساد ويسمعه ويقرأه. وتعرض عليه نماذجه في كل ميدان من ميادين حياته. بل وتقتحم عليه مسكنه وغرقة نومه، وكلها مداخل يتسرب منها اليأس إلى نفسه وضباب يحجب الرؤية الصادقة والصافية عن فكره ما لم يكن مؤمنا قوي الإيمان بالله ذا عزيمة قوية صلبة منح التوقيق والعون من الله. وأعد الأعداء المناسب من قيادته. وكانت عنده الإستعدادت الفطرية والمكتسبة للعمل العظيم الذي يوكل إليه القيام به.

واجب هيئات الدعوة

ومن هنا كان على كل هيئة تنصب نفسها للقيام بالدعوة أو تقوم بها فعلا أن تأخذ في إعتبارها هذه العوامل فتغير من أسلوبها وحركتها وأنظمتها وأساليب تربيتها لدعاتها وإعدادهم إعدادا سليما ودقيقا يتناسب مع البيئة السابق وصفها لتخريج دعاة، عندهم المقدرة لعرض أفكار الإسلام ومبادئه تناسب العصر الذي نعيش فيه. بأساليب تلفت نظر الحيارى من أهل العصر إلى الإسلام بتوضيح أغراضه من غير تعقيد موئس.ولا تزمت منفر. وبلا تفريط أو تساهل يحطم بنيان الإسلام ويؤدي بالدعوة ويجعلها تنماع في مجتمعها وتصبح رسالة شكلية وصورة بلا حقيقة كما عليه أكثر هيئات الدعوة الآن: إسلاميتها عنوان يكتب ووصف يذكر. وليس لها حقيقة تعرف.

فالإسلام يحتاج إلى دعاة يخاطبون الجماهير بما يؤثر فيهم ويلمسون مواضع العلة في نفوسهم وفي مجتمعاتهم ويصفون لهم من أدوية الإسلام وعلاجاته ما يخفف آلامهم ويضمد جراحهم. كما يخاطبون الناس بمقدار ما يفهمون فينزلون ـ إلى مستوى العامة ويرتفعون إلى مستوى المثقفين, فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن تخاطب الناس على مقدار عقولهم. ولكل مقام مقال يناسبه.

الطريق إلى الدعوة

ولعل الطريق الوصل إلى تحقيق الهدف والتغلب على ما سبق بيانه من مشكلات أن تكون الدعوة قائمة على أسس سليمة وأن ترسم لها لطرق بحيث يكون لكل جهة ما يناسبها من أساليب. وأن يكون القائمين بها نماذج حية لما يدعون إليه. وقدوة حسنة تلتزم العمل بما تأمر به وتتجافى عما تنهى عنه نماذج تعلن عن دعوتها بنفسها، وبسيرتها الطيبة ومعاملاتها الحسنة. وعلم أفرادها: العلم الصحيح الفياض وحرصهم على نفع الناس وعطفهم على الضعيف وتعليم الجاهل: وذلك قبل أن تعلن عن هدفها بخطبها ومطبوعاتها.

ولأجل تكوين الداعي الذي يخوض المعركة بنجاح وظفر أرى أن يتبع ما يأتي:

1ـ تكوين هيئة تخطط للدعوة وتشرف على تنفيذ مخططها.

2ـ اختيار من يؤهلون للدعوة.

3ـ تخصيص إحدى الكليات لتأهيل الدعاة.

4ـ التفرقة بين الدعوة في التأهيل.

5ـ العناية بالناحية العملية.

6ـ واجب الدعاة نحو أنفسهم.

هيئة عامة للدعوة

وأرى أن يرشح مؤتمركم الموقر هيئة عامة للدعوة من العالم الإسلامي بعامته ليكون لهذه الهيئة:ـ

1ـ الصفة والصبغة الدولية العامة ويصبح لها من الحقوق القانونية الدولية ما لهيئات التبشير العالمية.

2ـ أن تحصل على المعونات المالية المخصصة لهيئات التبشير العالمية من هيئة الأمم المتحدة التي تشترط لذلك اشتراك ثلاث دول على الأقل في الهيئة.

3ـ ولإزجاء الحماس الديني في نفوس الجماهير والقادة والزعماء والأغنياء من المسلمين إذا شعروا بأن لهم دعوة إسلامية منظمة تشرف عليها هيئة محترمة توجهها وتقوم على رعايتها.

ويختار أعضاؤعها من الأشخاص الظاهرين في مجال الدعوة ممن يمكن الإنتفاع بهم في مجالها والتخطيط لها ومباشرة التنفيد والتطبيق لخططها. على أن يكون عند كل عضو منهم الرغبة الصادقة في العمل وفي تحمل المسؤولية وفي الإستعداد للسفر لأية جهة إذا دعت الضرورة إلى سفره.وإذا كان هناك أشخاص لم تتح لهم الفرصة لحضور مؤتمركم المبارك إن شاء الله تعالى فلتكتب إليه رياسة المؤتمر مرشحة له للاشتراك في هذا العمل الكريم.

ويمكن إجمال الفئات التي تشترك في هذه الهيئة فيما يأتي:-

1ـ كبار علماء الدين.

2ـ كبار المشتغلين بالكتابة عن الدعوة لما لهم من أفق واسع ودراسات في هذا الشأن على المدى الطويل. سواء كان ظهورهم على المستوى العالمي أو المستوى الإقليمي.

3ـ كبار القائمين بالدعوة بالفعل سواء لمعت أسماؤهم أم هم يعملون في صمت وسكون فإن هناك أناساً في قلب إفريقيا يعملون في حقل الدعوة ولا يحس بهم أحد خارج القارة. ولكن تأثيرهم كبير جداً في مناطقهم وهم ملوك غير متوجين فيها وأرى أن نكسبهم في صفوف الدعوة ونختار من بينهم أفراداً في الهيئة ونزودهم بما عساهم في حاجة إليه من معلومات ونمدهم بالمال الذي يمكنهم من العمل ونشد أزرهم بما يحتاجون إليه من دعاة ناشئين.

4ـ أساتذة من علماء النفس والاجتماع ممن استقوا علومهم ومعارفهم من المعين الإسلامي أو هم ممن قعدوا القواعد النفسية والاجتماعية على الأسس الإسلامية.

5ـ بعض المصلحين من خريجي الجامعات الأخرى (عربية أو غربية).

6ـ ممثلون ماليون عن الدول التي تساهم في التمويل ليطمئن الجميع على أن أموالهم تصرف في مهامها وبنظام مقبول متفق عليه. وليشتركوا في تقدير الميزانيات (إيرادات ومصروفات).

فإن قيام دعوة عامة في العالم يتطلب أموالاً طائلة ونفقات كثيرة. ومن الخير بل من الواجب أن يساهم في نفقات الدعوة جميع قادة المسلمين وزعماؤهم، وأغنياؤهم لأن نشر الدعوة يهم الجميع. فليسهم فيه كل المستطعين مما استخلفهم الله فيه. (وليكن لنا في أوربا وأمريكا وأغنيائهم وشركاتهم في إسهامهم بالأموال السائلة والعينية في التبشير بالنصرانية الزائفة التي تمكن لهم في إفريقية وآسيا: ليكن لنا بذلك درس ونحن أحق منهم بذلك).

فإن لم تسهم الدول في هذه النفقات قامت المملكة العربية السعودية بالتمويل وأعتقد أن عندها الاستعداد لذلك.

هذا وإن وجود الفئات السابقة في هيئة الدعوة ضروري. فالعمل ضخم جداً لا يستهان به. ويحتاج إلى تعاون في القيام به مع مراعاة الاعتبارات المختلفة التي تحتاج إلى كل هذه القدرات وإلى كل هذه الخبرات أيضاً. بل هي في حاجة إلى المزيد من الخبرات الأخرى مما سيكشف عنه التطبيق العملي إن شاء الله تعالى.

(مهمة الهيئة)

ومن المهام الأساسية للهيئة التخطيط المركزي للدعوة وتنسيق جهود الدعاة واقتراح المناهج الدراسية لتأهيلهم والتمرين العملي لهم. والمناطق التي يعملون بها واختيار الأساتذة المتخصصين. ومفاوضة الرسميين من الجهات التي يرسل إليها الدعاة والاتفاق معهم على إيفاد العدد المناسب منهم إليها. وكيفية تمويلهم وتيسير تنقلاتهم وما يمكن أن يمنحوا من امتيازات لمبانيهم وفي انتقالاتهم وفي طبع كتبهم وأوراقهم وفي استئجار الأماكن التي يحتاجونها وفي استيراد ما يحتاجون إليه من الخارج من مطبوعات وملابس وأدوات. إلخ حتى يتهيأ الجو المناسب للعمل. ويكون التخطيط للدعوة على الأمد القريب وعلى الأمد البعيد في الجهات المختلفة. مع البدء بالمناطق الحساسة والتي تصلح أن تكون مراكز تنطلق منها الدعوة في اتجاهات مختلفة ومع مراعاة أن يكون التخطيط مرناً قابلاً للتعديل والتغيير والزيادة أو النقص منه حسب ما تقتضي مصلحة العمل وتحقيق الأهداف كما تدرس الهيئة وبإمعان خطط من سبقونا في الدعايات الدينية من هيئات التبشير العالمية لتأخذ منها ما تراه صالحاً لتطبيقه وتجنب ما باء منها بالفشل أو ترتب عليه أثر سيء مع ملاحظة أن للإسلام مزاياه قد يصلح في الدعوة الإسلامية ما لم يصلح للتبشير بالنصرانية أو البوذية.

مقر الهيئة

ويكون مقر الهيئة المدينة المنورة: لأنها مهبط الوحي ومنزل التشريع ومنطلق مواكب الدعوة لأول مرة في تاريخ الإسلام، ولما لها من تأثير روحي عميق في نفوس الجميع.

وتعمل الهيئة على تكوين مراكز إقليمية لها في المناطق الهامة لدراسة مناطقها ثم يتفرع من المناطق فروع أخرى في الأماكن التي تصلح لذلك لتأخذ هي الأخرى دورها في الاتساع والنمو.

أما المناطق فتشرف على توجيه الدعاة في الدولة أو الدول التي تقع في اختصاصها لتشترك معهم في مناقشة ما يعرض لهم من مشاكل وفي دراسة ما يعترضهم من صعاب للوصول إلى الحلول المناسبة التي تتفق مع البيئة ثم تتولى رفعها إلى الهيئة العامة لدراستها وإقرار ما تراه يتفق مع الهدف. وتعميم ما يمكن الانتفاع به في الجهات الأخرى لتلقيح الأفكار وتبادل الخبرات والمعلومات.

وعلى أن تكون الهيئة الإقليمية مركز اتصال دائم بين الدعاة في منطقتها وبين الهيئة العامة المركزية. وأن يتصل الدعاة في المنطقة بعضهم ببعض في اجتماعات دورية بمقر المنطقة وبذلك تكون حلقة الاتصال بين الجميع محكمة وكاملة مع تسلسل القيادات.

ملاحظة: يجب أن تطول مدة إقامة الداعي بمنطقته فكلما طالت مدته كان تأثيره أكبر وكان عمله فيها أرسخ.

هذا وليس من الضروري القيام بكل هذه الأعمال دفعة واحدة فإن التدرج في أعمال الدعوة أكثر فائدة لها وآمن لها من العثار خصوصاً وأنها تتصل بسياسات الدول كما أنها تتصل بعقائد الجماهير. وكلاهما يحتاج إلى معاملة خاصة ودقيقة.

كلية خاصة بالدعوة

تخصص كلية لتكوين الدعاة فيها وصهرهم في بوتقتها وصياغتهم على يد أساتذة متخصصين وتخريجهم فيها بعد تسليحهم بالمواد العلمية المناسبة للبيئة التي يبعثون إليها. على أن تكون مدة الدراسة في الكلية أربع سنوات. يتبعها تخصص في شعب ثلاث.

المدرسون:-

يختارون من بين الأساتذة البارزين في مجال الدعوة بالكتابة أو التأليف أو بالقيام الفعلي بالدعوة وسواء كانوا على المستوى الدولي أو الإقليمي. على أن يكون اختيارهم بعيداً عن المجاملات والترضيات الإقليمية أو العصبية ليسير دولاب العمل في جد وحزم وليخرجوا دعاة جادين بعد تمرينهم التمرينات المثمرة، وحتى لا يتخرج في هذه الكلية إلا من كانت عنده الصلاحية الحقيقية للقيام بدوره على الوجه الأكمل. بلا نظر لتحصيل لقمة العيش أو إصلاح الحالة المالية أو التخلص منه للانتفاع بمكانه لغيره.

اختيار الطلاب:

إن هيئة التبشير العالمية تربي دعاتها في مدارس مستقلة يطلق عليها اسم (مدارس اللاهوت) وتبدأ من التعليم المتوسط ثم الثانوي ثم العالي ثم التخصص وتوجد هذه المدارس في بلاد جنوب السودان وفي نيجيريا وفي لبنان .. إلخ. ثم في الفتيكان يتخصص المتخرجون في هذه المدارس ويوجهون إلى الأماكن التي يعملون فيها طبقاً لما تخصصوا فيه وكثيراً ما يستعيرون أطباء أو مهندسين أو عمالاً زراعيين للعمل معهم إذا لزم الأمر. فإذا كان إيجاد هذا النظام متعذر عندنا الآن أو كان الوقت مبكراً عن انتهاجه أو أنه لم يصلح عندنا لأي سبب من الأسباب فإني أضع أمام الهيئة الاقتراح الآتي:

أولاً يراقب طلاب الأقسام الثانوية بالمعاهد الدينية مراقبة دقيقة ويجعل لكل منهم ملف خاص تدون فيه مراحل حياته العلمية كما تدون فيه حالته النفسية من ناحية استعداده الفطري وتكوينه العصبي والإرادي وقدراته الفكرية والنفسية. ومن ناحية التحمل والصبر والتجلد أمام المتاعب ومن ناحية التخلق بالتؤدة في مقابلة وحل ما يصادفه من مشاكل تجعل في طريقه عن عمد وبعد دراسة وإحكام. وتفرض عليه فرضاً ليتعود على المجالدة ويتمر على حل ما يصادفه وهو لا يزال غضاً. كما تتكون عنده الإرادة الصلبة وهو لا يزال يافعاً، كما يراقب من ناحية إخلاصه في عمله وجديته فيه واهتمامه به. فإذا انتهى القسم الثانوي يختار لكلية الدعوة من بين الناجحين من ثبتت صلاحيته ولو لم يحصل على درجة الامتياز في المادة العلمية الصرفة.

ثانياً يختار للمعاهد الثانوية طلاب من أبناء البلاد التي ترى الهيئة نشر الدعوة فيها. ويسري على السابقين من إخوانهم. لاختيار العديد منهم في كلية الدعوة. ليعودوا إلى قومهم يدعونهم بلسانهم وينشرون دعوة الله بينهم. وهم أقدر على نشرها هناك من غيرهم وخاصة إذا كان اختيارهم من أبناء أصحاب الجاه والسلطان في بلادهم. ومن هم في درجة عالية من الذكاء الفطري والاستعداد النفسي لنشر الدعوة ثم ليكون هؤلاء مراكز للدعوة من ناحية وللإسلام من ناحية أخرى وسط عشيرتهم وفي بلادهم وفيما يجاورها من بلاد حتى لو انتكست الدعوة في هذه الجهة لأي سبب (ولا قدر الله) فسوف يبقى هؤلاء قائمين بها مبشرين بالإسلام هناك لأن قلوبهم أشربت به وبتعاليمه. وندر أن يخرج الإسلام من قلب استنار وسكن فيه عن علم ومعرفة.

ثالثاً كما يسمح بالقبول في الكلية عند الاحتياج إلى الطلاب: لمن توجد عنده أصول صفات الداعي النفسية والذهنية من غير أن يجعل التقدم العلمي وحده وسيلة القبول الوحيدة فيها. إذ ليس التقدم العلمي وحده دليلاً على صلاحية صاحبه للقيام بهذا الواجب المقدس. وخاصة إذا نأى مكان العمل عن مكان الوطن ..

كما أنه كثيراً ما يكون الترف حائلاً بين الأفراد وبين انخراطهم في سلك الدعاة في الأماكن التي تتمتع بقسط كبير من البدائية. وكذلك في بيئات المدنية الصاخبة إذ سرعان ما يسقط فيها تاركاً عمله مهملاً رسالته: هارباً من الأولى منماعاً في الثانية.

ويراعى فيكل من يختار من الفيئات الثلاث فصاحة اللسان وترتيب الفكر ليستطيع تصوير ما ينهى عنه بصورة تقبح في نفوس المدعوين. وتصوير ما يدعو إليه بصورة تجذب الجماهير فتأوي إليه وتعيش في كنفه.

المواد الدراسية

يدرس الطلاب في كلية الدعوة العلوم الدينية والثقافة وأهمها ما يلي:-

1ـ حفظ القرآن الكريم كله أو جله على الأقل ليكون على علم بكتاب الله تبارك وتعالى وما جاء فيه من أوامر ونواهي.. إلخ.

وبهذه المناسبة أذكر أنني كنت في زيارة لشمال أوغنده سنة 1954م وسمعت حوار بين رجل يتصدى لوعظ الناس وأحد الخبثاء الذي زور كلاما وادعى أنه آية من كتاب الله تعالى وطلب إلى الواعظ تفسيرها وعندما بدأ الرجل يتكلم في تفسيرها نبهته إلى أن هذا الكلام ليس من كلام الله وانكشفت الحيلة وأحرج الرجلان.

كذلك دراسة علوم القرآن من تفسيره وناسخه ومنسوخه وتنزلاته وأسباب النزول وبعض قراآته.. إلخ وأن يجمع الطالب في قراءته بين ما كتبه الأقدمون ليطلع على ما ورد من آثار وآراء وبين ما كتبه المتأخرون ليطلع على رأيهم اتجاه ما جد من ـ علوم ومعارف وعلى تفسيرهم للظواهر الكونية مع ملاحظة أن منها ما كان على سبيل ـ الإحتمال أو الظن فلا يقول به ومنها ما ظهرت حقيقته وتبين يقينه.

2ـ دراسة التوحيد بالقدر الكافي الذي يصحح به عقيدته والذي يستطيع أن ـ يصحح به عقيدة من يدعوهم. فإن الأساس الأول والأخير. في الدعوة إنما هو تصحيح العقيدة، وإذا صحت العقيدة فكل ما يبنى عليها صحيح أما إذا فشلت العقيدة فلا حدود لما يبنى عليها من باطل وضلال.

3ـ دراسة الحديث الشريف وعلومه.

4ـ دراسة السيرة النبوية بتوسع واستقصاء مع دراسة ما أثير حول الرسول صلى الله عليه وسلم من شبه وأراجيف تافهة ضد الإسلام ونبيه برع في نسجها الحاقدون من المستشرقين أمثال ( جب. وجولد زيهير. شاخت. دوزي.. إلخ ) ودراسة الرد عليها وتفنيدها. وكذلك دراسة سيرة الخلفاء الراشدين.

5ـ دراسة أسس الدعوة ويغرس في نفسه مع دراسة هذه المادة أن ما يدعو إليه هو الحق لا شك فيه وهو أشرف الأعمال وأعلاها قدرا وأعظمها شأنا وأكثرها ثوابا وأنه يقوم بذلك نيابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفذ المنهج الإسلامي والدور الرئيسي للأمة الإسلامية الذي كلفها الله به في كتابه الكريم وقرآنه الخالد. وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . وهو المنهج القائم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الدعوة لدين الله تبارك وتعالى بالطرق الممكنة والأساليب المؤثرة في مثل قوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}آل عمران 110، وقوله تعالى {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} آل عمران 104. وأنه إن استجاب له ولو فرد واحد فاهتدى فهو خير له لمثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ".

6ـ دراسة الأديان المشهورة دراسة تستوعب معرفة المحرف منها والمعدل فيها وما اختفى من تشريعاتها وما زيد عليها ومواضع ذلك كله من كتبها. وكذلك تحديد ما نقلته الديانات المنسوبة إلى السماء من الديانات الأرضية لبعض عقائدها وتشريعاتها وتحديد ذلك في كتب الجهتين المنقول منها والمنقول إليها. كنقل اليهودية من البرهمية ونقل النصرانية من البوذية ومن الوثنية اليونانية.

كذلك دراسة ما في الأديان من ثغرات ونقط ضعف ومقارنة ذلك بالإسلام، ليستغلها الداعي في زعزعة عقيدة المنتسبين إلأى هذه الأديان.

7ـ دراسة الفرق الدينية التي تنتسب إلى الإسلام وهي تحاربه.

8ـ دراسة علم النفس. وخاصة قسمي: نفسية الأفراد. ونفسية الجماهيرعلى أن تكون الدراسة على يد أساتذة درسوا المادة من زاوية الإسلام.

فإن الداعي الدارس لعلم النفس في القسمين المذكورين يستطيع أن يتعرف على ما يتنازع النفس من ميول وأهواء وغرائز يستغلها في دعوته. كاستغلال غريزة التدين في نفوس غير المتدينين واستغلال العاطفة الدينية فيمن هم على أديان باطلة لاعتناق الدين الصحيح.

ولقد أمر القرآن الكريم بدراسة النفس البشرية في قوله تعالى {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ} كما بين تبارك وتعالى في كثير من آي القرآن الكريم منازع النفس البشرية واتجاهاتها إزاء العديد من مشاكل دعوة الرسل التي قصها القرآن الكريم علينا.

9ـ دراسة علم الاجتماع وعلم التاريخ العام ليتعرف على الكثير من سنن الله تبارك وتعالى مقعدة في قيام الدول وعز الأمم وطول ايامها وأسباب انهيارها وليتعرف على صورة تكوينها وطرق تفكيرها وكيفية التأثير فيها.

ولعل ذلك ما يدعو إليه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} آل عمران 137 وقوله تعالى {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} محمد 1.

وقوله تعالى { وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً } الإسراء 16.

10ـ أدب البحث والمناظرة بما يكفي أن ينظم جدله ومناظرته.

التفرقة في التخصص

وبعد انتهاء الدراسة في الكلية يتخصص الطلاب في شعب ثلاث بعد دراسة ميول كل طالب واستعداداته للعمل بالمنطقة التي تناسب ظروفه الصحية والعقلية والعلمية ليلحق بالشعبة التي تناسبه من الشعب الثلاث الآتية:

الشعبة الأولى:

وتخصص لإعداد الدعاة لأهم الميادين. وهو الميدان الداخلي في العالم الإسلامي حيث نقل الأعداء إليهم ميدان دعوتهم. ونجحوا في بلبلة أفكار الكثيرين من أهله. ولا يزالون يقذفون في هذا الميدان بدعاتهم ومطبوعاتهم ورشاويهم ويعملون جادين على إلحاق من يربونهم بوسائل الإعلام المختلفة لينفوا مناهجهم التي رسموها كما يعملون جادين بوسائل مختلفة على رفعهم إلى مكان الصدارة فيها.

تخصص هذه الشعبة لإعداد الدعاة للعمل في العالم الإسلامي للرجوع به إلى أسسه السليمة وإلى تعاليم الإسلام الرشيدة. قبل أن يهوي به حكامه بعيدا عن الإسلام بدساتيرهم الصناعية التي تبيح أنواع الكبائر كما تبيح الإرتداد عن الإسلام تحت إسم الحرية الدينية وفي الوقت نفسه تحمي القائمين بإنتهاك الحرمات والأعراض وتحليل الكبائر والدعوة إلى الإلحادية والزندقية من سخط الجماهير المتدينة تشجيعا للأولين وإذلالا للآخرين.

ولكي يؤدي هؤلاء واجبهم على الوجه المرغوب ويحققوا الثمرة الموجودة من دعوتهم وجب أن يختار لها أوسع العلماء أفقا وأرجحهم عقلا وأقواهم إدراكا وأشدهم تمسكا بالصحيح. فلا تسيطر عليهم تعقيدات المتأخرين من المؤلفين ولا تخريجات ـ المتساهلين التي توقع الناس في الحيرة وتدعهم يسيرون في متاهات من المجادلات تضيع في زحمتها حقائق الإسلام النقية الصافية.

ويدرس هؤلاء في هذه الشعبة عادات وتقاليد البلاد التي سيوفدون إليها وأنواع البدع والخرفات السائدة فيهم ولغتهم إن كانوا يتكلمون بغير العربية وأنظمة الحكومة ومراكز القوة والطرق الصوفية التي تعمل هناك ومواضع مخالفتها للعقيدة الصحيحة وكذلك المذاهب والمبادئ الفاسدة والتي تعمل ضد الإسلام ليكون عند الداعي الإدراك الكامل عما في المنطقة وعن علاجه قبل أن يذهب إلى عمله حتى لا يتعثر إذا عرضت عليه وواجهته على غير علم بها.

الشعبة الثانية:

تخصص هذه الشعبة لتأهيل الدعاة الذين يوفدون إلى البلاد الوثنية أوـ اللادينية ويدرس هؤلاء جغرافية البلاد التي سيعملون بها من ناحية طبيعتها ومناخها ونباتاتها وحيواناتها وأمطارها وأنهارها. وأهم مدنها وقراها. وما فيها من أمن وإضطراب وقلق. ومصادر ثروتها الطبيعية والصناعية والزراعية.

كما يدرسون تاريخ البلاد وأجناس سكانها وخصائصهم وعباداتهم وعقائدهم وتقاليدهم وعاداتهم وخرافاتهم وما اعترى سكان هذه البلاد من أطوار سياسية وتحولات اجتماعية ومن استعمار وعلاقاتها بالدول المجاورة وبالشعوب الأخرى وبالعالم الإسلامي في الماضي والحاضر وعلاقات الأكثرية الوثنية بالأقلية المسلمة. ثم أحوال المسلمين الدينية ومذاهبهم العقائدية والتعبدية. والطرق الصوفية. ودراسة النشاط الديني (مسيحي أو بوذي أو غيرهما) والإرساليات التي تعمل بهذه البلاد وأجناسها ومذاهبها الدينية وخلافاتها الأصلية وما آلت إليه. وأسباب نجاح الإرساليات أو فشلها ونظرة المواطنين إليها وعلاقتها بالحكام.

كما يدرس هؤلاء لغة أو لغتين من أهم اللغات المحلية. فإنه لا يكفي أن يعرف المبعوث اللغة الأجبنية (إنجليزية أو فرنسية) التي تنتشر في هذه المنطقة لأنه لا يبعث للمثقفين والمتعلمين فقط لأنهم قلة قليلة بل سيخاطب القاعدة الشعبية والمثقفون والجماهير يتكلمون جميعا بلغتهم المحلية والداعي الذي يكلم القوم بلسانهم أقرب إلى قلوبهم وفي استطاعته أن يتسلط عليهم.

ومن أمثلة اللغات المحلية الهامة في بعض المناطق:

1ـ في جنوب السودان: لغة الدينكا والنوير والزاندي.

2ـ في شرق إفريقيا وجنوبها: اللغة السواحلية.

3ـ في غرب إفريقيا: اللغة الهوساوية.

مع مراعاة أن يكون عند المبعوث إلمام بالمبادئ العامة للتمريض. فهو في أشد الحاجة إليها في هذه المناطق. كما أن لها أثراً كبيراً في التأثير على سكانها.

وإذا ضم إلى المبعوث من يعرف بعض الصناعات المناسبة للخدمات الموجودة في البيئة يكون النجاح كبيراً إن شاء الله تعالى.

الشعبة الثالثة:

وتخصص لإعداد الدعاة الذين يبعثون إلى أوربا وأمريكا لنقل ميدان الدعوة إلى الإسلام إلى بلادهم. ولوجود البيئة الخصبة لفهم قواعد الإسلام التي يجدون فيها طلباتهم وبغيتهم والذي يؤهل للدعوة في هذه البلاد ينبغي أن يدرس جغرافية البلاد التي يذهب إليها وتاريخها وتطوراتها في الصناعة ومختلف العلوم. وأن يتسلح بالعلوم الحديثة فوق إلمامه بمنطق القرآن وأحكامه وتفسيره وأن يكون ذا دراية تامة بالسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي وإلمامه بحكمة التشريع وتاريخ التشريع بما يجعل موقفه قوياً وسط قوم وصلوا إلى درة عالية من العلم والمعرفة. ثم لا بد من إتقانه إحدى اللغتين الإنجليزية والفرنسية لأنهما المنتشرتان في أوربا وأمريكا أوإتقانه لغة البلاد الخاصة. كما يدرس الخلافات المسيحية التي نشبت بين الكاثوليك والأرثوذكس من ناحية وبين الكاثوليك والبروتستانت من ناحية أخرى ودراسة قرارات المجامع المسيحية التي غيرت وجهها إلى وجه وثني كالح غير مترابط الجزئيات مع مناقضته التامة للمعقول. ودراسة علاقة أوربا بأمريكا والعكس ودراسة الاستعمار القديم والحديث وأثرهما السيئ في المجتمع الإسلامي من تفكك وتخلف وفقر وانحدار. وكذلك دراسة ما أحدثته الحضارة الحديثة في العالم من شرور وآثار سيئة وانحلال خلقي ظهرت آثاره في المجتمعات الغربية (الهيبية وإخواتها) وكذلك دراسة الحروب الصليبية بأسبابها ونتائجها وما اتسمت به من تعصب أعمى وإلى أين انتهت كما يدرس رأي الطبقات المستنيرة هناك عن الدينين: اليهودي والنصراني. وعن الكنيسة والبابوات وتقاليدهما وعاداتهما. ونظرة المثقفين إلى الإسلام من خلال كتبه وفلسفته ومن خلال سلوك المسلمين وأحوالهم وتخلفهم وفقرهم ونظرتهم إلى الأديان الأخرى. ودراسة الصهيونية وموقفها من المسيحية ومن الإسلام وأثرها في تدعيم الإستعمار ووقوفها مع مراكز القوة الدولية من غير مبدأ ثابت. ورغبتها في السيطرة على العالم أجمع. وكذلك دراسة الشيوعية وما يسبقها من نظريات ماركسية وفلسفات لينينة. ثم دراسة ما كتبه .. المستشرقون عن الإسلام وعن نبي الإسلام ودراسة ما نمقوه وزوروه في تلك البلاد التي خلت من مناقش لهم أو محاسب كما خلت من كاشف للحقيقة وفاضح للأكاذيب والكذابين أول بأول. ودراسة الردود الحاسمة على كل ما كتب. ثم لتعقب ما يكتب بعد ذلك والرد عليه في حينه ليطلع الرأي العام والقراء على الاتهام وعلى الرد الصحيح.

(الناحية العملية في تربية الدعاة)

يعنى بتربية الدعاة عمليا من أول يوم يدرسون في الكلية. وتشمل التربية العملية أمرين اثنين:-

1ـ العناية الفائقة بالناحية الروحية فإن الناحية الروحية في أعلى القمة لتربية الداعي. فإنه إذا كان معقود الصلة بالله تعالى. وكان قلبه محرابا لا يعبد فيه غير الله لا يشاركه فيه مال أو جاه أو سلطان. وكانت نيته الخالصة إقامة دين الله تعالى كان عون الله يلاحقه في كل عمل وكان الله لسانه الناطق وقويت فراسته وصدقت ظنونه. وعلا بنفسه وبدعوته عن سفساف الأمور. واستطاع بصفاء نفسه وقوة روحه أن يؤثر في الناس حوله وأن يكون تأثيره فيهم عميقاً ودائما.

2ـ العناية بالتدريبات العملية في الخطابة والوعظ في الدروس العامة في البيئات المختلفة تبدأ من البدائية والبدوية ثم في المساجد ليتعود الطلاب على مقابلة الجماهير والتحدث إليهم. ويقضي الطلاب كثيراً من أيام العطلات خارج المدينة في معسكرات بصحبة بعض الأساتذة لتأكيد الناحية الروحية عندهم. وفي الإجازات الصيفية يقضي الطلاب بصحبة بعض الأساتذة جزءاً منها في بعض البلاد الداخلية البعيدة أو في البلاد الخارجية التي تختار لهم ليتعرفوا أحوال الناس وليتعودوا على السفر والإقامة بعيداً عن أهليهم وليتمرنوا على الدعوة. مع مراعاة العناية بالناحية الروحية العالية وفي الصيف الأخير يرسل كل فريق إلى البلاد التي سيكلفون موضعاً لعملهم. للتعرف عليها ولتطبيق ما درسوه على واقع الحياة هناك. وليكون لكل طالب ألف بالبيئة الجديدة.

واجب الدعاة نحو أنفسهم

وعلى الدعاة أنفسهم أن يكونوا مثلا يحتذى فإن وجودهم في البيئة دعوة وسيرهم في الطريق العام للدعوة وكلامهم دعوة وعملهم دعوة.

فليتقوا الله في أنفسهم وليعلموا أنهم محط الأنظار وموضع القدوة وعلى كل داع أن يراعي ما يلي:-

1ـ أن يكون معقود الصلة بالله تبارك وتعالى وأن يكون قلبه معلقاً به وعليه ألا يغفل عن ذكر الله عند كل عمل أو قول وأن يظل دائم الرجاء لله.

2ـ أن يؤمن إيماناً جازماً بأن ما يدعو إليه هو الحق لا شك فيه والصحيح الذي لا خطأ فيه ليكون تأثيره قويا وأن يؤمن كذلك بأنه يقوم بأشرف الأعمال وأعظمها أجرا لأنه يعمل على تحقيق قوله تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} كما أنه نائب عن رسل الله جميعا.

3ـ أن يلتزم التزاما كاملا في قوله وفعله وتفكيره وسلوكه بأحكام الإسلام وتشريعاته. وأن ينظر للحياة كلها بمنظار الإسلام حتى لا يكون مزدوج الشخصية بين ما يدعوإليه وبين ما يأتيه في سلوكه فيهدم دعوته بنفسه.

4ـ أن يتفرغ للدعوة ولا يشتغل بغيرها من التجارة أو الزراعة .. إلخ.

5ـ أن يبتعد عن السياسة مطلقاً حتى لا يكون هدفاً سهلاً لسهام خصومه ويتجرأ عليه الناس[1].

6ـ أن يكون شجاعاً في مواجهة الأمور من غير تهور في إبداء رأيه وأن يثبت بجانب الحق لا يتلون.

7ـ أن يتجمل بالصبر وعدم استعجال النتائج فقد بقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو قومهم فلم يزد عدد من آمن به عن خمسين ومائة فرد.

8ـ أن يتعود التدرج في الدعوة وتقديم الأهم على المهم وتلك كانت دعوة الرسل ودعوة الرسول صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً. يشهد بذلك نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل المذكورة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " أنك ستأتي قوماً أهل كتاب فادعوهم إلى الشهادتين ألا إله إلا الله وأني رسول الله. فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض خمس صلوات في اليوم والليلة. فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم .. الحديث ". وكذلك كانت تشريعات الإسلام.

9ـ أن يوطن نفسه بأنه ستسلط عليه حرب الأعصاب من جبهات متعددة فعليه الثبات على حقه في صبر وليقرأ في ذلك ما وجه إلى الرسول منها في مثل ما أشار إليه القرآن بقوله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.. الآيات } وغيرها. وكذلك حرب الدعايات بين الدول قديما وحديثا والتاريخ الحديث مفعم بالكثير منها وليعلم أن خصوم الإسلام وخصوم العقيدة الصحيحة لن يتركوه يسير على أرض مفروشة بالورود. كما عليه أن يعلم أن المعاكسة له أمر عادي لأن انتزاع الناس من عقيدة امتزجت بدمائهم وتوارثوها جيلاً بعد جيل من أصعب الأمور وأشقاها على النفوس فليكن حكيما في دعوته وطبيبا في علاجه.

10ـ ألا يهاجم غيره ولا يسفه رأي الآخرين. وإنما يعرض الإسلام وتشريعه في مقابلة ما يراه خطأ وألا يهاجم إلا إذا دعته الضرورة القصوى وليكن دستوره في دعوته هو دستور الله تبارك وتعالى {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} حتى لا يتحزب الناس ضده وقد يسلط عليه من يضايقه من سفهاء القوم حتى يفلت منه الزمام وينطلق لسانه بالشتم والقذف والسب. فليعف بلسانه عن النزول إلى هذا الدرك وليعلم أن هذا مقصود لجره إليه ولتكن قدوته برسل الله تبارك وتعالى ومنهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقد كان يدفع السيئة بالحسنة بل ويعطي من شتمه وفوق ذلك كان يدعو لمن أساءه فيقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

11ـ ألا يتقيد بزمان أو بمكان في دعوته والا تحول إلى مدرس أو موظف وطبيعة عمل كل منهما تختلف عن طبيعة عمل الداعي ومهمته.

12ـ أن يعف عما في أيدي الناس (وليكن ممن يعطي لا ممن يأخذ) فإن من مد يده إلى ما في أيدي الناس لم يستطع أن يمد لسانه ينهاهم عن منكر يفعلوه.

13ـ أن يتواضع وألا يتعالى على الضعفاء وعلى الفقراء وعليه أن يجعل نفسه أباً للجميع يحس بإحساسهم ويتألم لآلامهم ويفرح لفرحهم. لينصره الله وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم.

وهذا جهدي و( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)..

[1] لا مندوحة للداعية من توجيه النصح إلى رجال السياسة بالحكم والموعظة الحسنة ـ (المجلة).

-----------------------------------

محمد محمد أبو فرحة

المحاضر بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

Latest News
Poll

هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله


SMS
اشترك في خدمة رسائل الجوال الدعوية المجانية
رقم الجوال