من أخلاق الداعية
العدل لفظ عام يعني التوسط الذي هو سمة المسلمين ، و سمة أهل السنة و الجماعة في الأمور كلها دون استثناء ، و هو إعطاء كل ذي حق حقه ، و مجالات العدل و صوره كثيرة جدا ليس من الميسور حصرها ، لكن هذه بعض النماذج المهمة منها :
أ – العدل مع العدو و الصديق :
فالكثير من الناس إذا ذكر له صديقه أثنى عليه و لو كان يعلم أنه لا يستحق ذلك الثناء ، و إذا ذكر له خصمه ذمّه و لو كان يعلم أنه خلاف ما يقول .
فهل يستطيع الداعية أن يذكر العيوب الموجودة في أقرب الناس إليه ممن يكون مثله في المنهج و الطريقة ؟! أو يكون شريكا له في عمل ما ؟!
و هل يستطيع أن يثني بصدق على إنسان يختلف معه في بعض الأمور ؟
إن كان يستطيع ذلك فقد حقق العدل في هذا الجانب ، و لكن أكثر الناس يجورون على خصومهم فيذمونهم بما ليس فيهم ، و يجورون أيضا على أصدقائهم فيمدحونهم بما ليس فيهم .. و هذا و إن كان مظهره مظهر المحبة و الثناء إلا أن حقيقته الجور و الذم ، فمن أثنى عليك بما ليس فيك فقد ذمّك ، لأن الناس يتطلبون هذه الخصلة فيك فلا يجدونها فيذمونك على فقدها ، و الله تعالى قد أمرنا بالعدل حتى مع الأعداء فقال : " و لا يجرِمنَّكم شنآنُ قومٍ على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " [ المائدة : 8 ] .
و من المحزن أننا و إن سلّمنا بذلك نظرياً ، إلا أننا من الناحية العملية سرعان ما ننسى هذا الدرس ، فحين نقف على ما نعده نحن خطأ من فلان نسقطه من الحساب ، و لا نعبأ به ، و لا نلتفت إليه ، و كثيرا ما تنسينا محاسن الشخص الكثيرة عيوبه القليلة ، أو تنسينا عيوبه الكثيرة محاسنه القليلة .
لا بل الأمر أدهى و أمر !
و لعل الحقيقة أنه كثيرا ما تنسينا العيوب القليلة المحاسن الكثيرة .. و ننسى القاعدة الشرعية " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث !! " (1) .
ب- العدل في تقويم الكتب :
فحينما تقوم كتاباً فليس من العدل أن تقول إنه يحوي أحاديث موضوعة أو ضعيفة – مثلاً – أو آراء شاذة ، فتذكر هذا الجانب المظلم ، و تنسى جانباً آخر موجوداً في الكتاب ، و هو أنه يحوي توجيهات مفيدة ، أو أبحاثا علمية .
إن ذكرك لنصف الحقيقة و إهمال النصف الآخر منها ليس من الأمانة .
و الكثير من الناس بمجرد أن يرى خطأً في كتاب ما يحذَره و يحذّر منه ، لأنه ساق حديثاً ضعيفاً ، أو أخطأ في مسألة ، و لو عاملنا كتب أهل العلم بهذا المقياس ما بقي لنا كتاب .
صحيح البخاري – و هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى – هل حاز على الكمال المطلق ؟ كلاّ ، فقد بيض لبعض المواضع ، لم يضع تحت بعض الأبواب أحاديث ، فيه أحاديث معلقة غير موصولة ، و في بعض روايات الصحيح اختلاف .
و لا يخلو كتاب بعد كتاب الله من النقص و الخطأ ، فلا ينبغي أن نذكر عيوب كتاب و مثالبه ، إلا و نذكر إلى جانبها محاسنه ما كانت له محاسن .
ج- العدل في الحكم على الدعوات و الحركات :
منذ سقوط الخلافة الإسلامية قامت في العالم الإسلامي دعوات و حركات كثيرة تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية و الحكم الإسلامي ، أو إلى استمرار الدعوة بين غير المسلمين ، أو إلى إحياء السنة ، أو ما شابه ذلك من الأهداف النبيلة .
و هذه الدعوات تختلف في منهاجها و أسسها و أهدافها ، و تختلف في قربها أو بعدها عن منهج الكتاب و السنة .
و قد تحدث كثيرون عن هذه الدعوات و درسوها من جوانب مختلفة ، و الأمر الذي تكاد أن تفقده في كثير من هذه الدراسات هو " العدل " ، فكثير من الكتاب ما بين منتم لهذه الدعوة ، معجب بمناهجها و طرائقها فهو يكيل لها المدح كيلا ، و يدعي وصلاً بليلى ! و آخر متحامل عليها لا يرى فيها إلا كل نقيصة ، و بين هذا و ذاك تضيع الحقيقة .
و الله تعالى يحب العدل ، و يكره الجور ، و من قصّر في جانب فلا يلزم أن يكون مقصراً في كل جانب ، و لا يسوغ أن تنسيك سيئاتهم الكثيرة حسناتهم القليلة .
أحياناً تسمع البعض يتحدث عن فئة من الدعاة إلى الله فيحولهم إلى مجموعة من الشياطين حتى يفسّر نطقهم بالشهادتين تفسيراً يصرفه عن معناه المباشر الظاهر ، و يؤول تصرفاتهم تأويلاً قد يصدق في بعضها و لا يصدقها في كثير منها ، و التعميم في هذا الموضع خطأ ، بل يجب لمن تصدى للحديث عن الدعوات و مناهجها التفصيل و الدقة و ضبط العبارة و ذكر الجوانب المشرقة إلى جوار الجوانب المعتمة .
و أئمة أهل السنة و الجماعة كانوا يذكرون أهل البدعة فيذمونهم و يحذرون منهم ، لكنهم يذكرون مع ذلك مقاماتهم في الرد على من هو أشد منهم بدعة ، أو في دعوة بعض الكفار إلى الدخول في الإسلام ، بحيث يتحولون من كفار إلى مسلمين مبتدعين ، و هذا خير من بقائهم على الكفر الصحيح بلا ريب ، أو في ردّ بعض هجمات الأعداء العسكرية ، أو في أعمال خيرية قاموا بها .
فمن العدل ألا نتجاهل بدعتهم بحجة أنهم أحسنوا في أمور ، كما لا نتجاهل حسناتهم بحجة أنهم أصحاب بدعة ، بل نجمع بين الأمرين .
د – العدل في النظر إلى الجهود و الأعمال الدعوية :
هناك جهود في ميدان الدعوة إلى الله تعالى لا ترتبط بفئة معينة ، فهي عمل جهادي أو دعوي تضافرت عليه همم المؤمنين ، أو طوائف منهم ، و هي جهد بشري يخطئ و يصيب ، و ليس له من العصمة نصيب ، و لذلك فإن من المصلحة الظاهرة أن " تقوّم " هذه الأعمال تقويماً صحيحاً معتدلاً ، يحقق الانتفاع بالإيجابيات و توسيعها و تعميقها ، و تلافي السلبيات و الخلاص منها ، لئلا تتكرر الأخطاء نفسها و يعود المسلمون من حيث بدؤوا .
و لكن هذه المصلحة الظاهرة قد تضيع بين طرفين :
طرف يرى هذا العمل كاملا لا عيب فيه ، فيرمي بسهام الاتهام و الشك كل من يوجه نقداً أو ملاحظة .
و طرف لا يبصر إلا العيوب ، حتى لا يكاد يرى في هذا العمل شيئاً يمكن الانتفاع به !
· خذ مثلاً : الجهاد الأفغاني .. جهاد ما يزيد على عشر سنوات من العرق و الدمع و التضحية و السهر و العناء !
قد تجد من يصوره على أنه خال من الأخطاء ، بريء من العيوب ، حتى كأنه جهاد الصحابة رضوان الله عليهم ، و لا يقبل فيه النقد و التوجيه و الملاحظة .
و في المقابل قد تجد من يتحدث عن المجاهدين فيصمهم بالجهل و البدعة دون تروٍ أو تفصيل ، و يتعلل بأن منهم من يعلق التمائم ! ، أو بأن عندهم بدعاً في بعض المساجد ، بل تجاوز الأمر أن صرّح أحدهم قائلاً :
هؤلاء مشركون يحاربون ملحدين !!
و قرأت بخط أحدهم تعليقاً طائشاً عن إحدى الجماعات السلفية هناك ، بأنّ من لم يكفرهم فهو كافر !!
فإذا كان هذا حكمه على فئة سلفية .. فما بالك بغيرها ؟! و الله المستعان .
أين ميزان القسطاس الذي وضعه الله لهذه الأمة ؟
و هل هذا هو الاتباع الحقيقي لرسول الله صلى الله عليه و سلم ، الذي كان يعرف للناس أقدارهم ، و لا يبخسهم أشياءهم ، و كان يثني على الإنسان بما فيه من خلال الخير ، إذا كان ثم مصلحة – و لو لم يسلم من الأخطاء !
أليس قد أثنى – صلى الله عليه و سلم – على النجاشي ، و وصفه بأنه " ملك لا يظلم عنده أحد "(2) مع أنه حينها كان كافراً لم يسلم بعد ؟!
إن هناك فئة من الدعاة قد تنظر بعين واحدة ، إما بعين الرضا فتنسى العيوب و الأخطاء التي تعرف لتعالج و تقوم ،و إما بعين السخط التي لا ترى إلا المساوئ :
و عين الرضا عن كلّ عيب كليلة *** و لكن عين السخط تبدي المساويا
إذا كان المحبّ قليل حظٍّ *** فما حسناته إلا عيوبا !
و يجب أن يتطلع الدعاة إلى الأحكام العادلة التي تمسك الميزان من وسطه و تنظر نظرة معتدلة متوازنة تحرص ألا تتأثر بالعواطف سلباً أو إيجاباً :
" و لا يَجرمنك شنآن قـــــوم على ألاّ تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى " [ المائدة : 8 ] .
هـ – العدل في التعامل مع النصوص الشرعية :
وهذه النصوص المحكمة كلها " دين " يجب قبوله و طاعته و الإيمان به ، و ليس شيء منها " مهجوراً " ما دام محكماً غير منسوخ .
و من العدل أن تتوازن في النظر إلى هذه النصوص ، فلا تأخذ منها نوعا و تهمل نوعا آخر،خاصة النصوص الواردة في موضوع واحد ، أو في موضوعين متقابلين .
· هناك من يأخذ نصوص الوعيد كحديث " لا يدخل الجنة قاطع "(3) ، أو " لا يدخل الجنة قتات "(4) ، أو " كفـر بالمرء تبرؤ من نسب و إن دق " أو .. أو .. و يبنى على ذلك تكفير الخلق بهذه الأعمال و نحوها اعتماداً على ظواهر هذه النصوص و ينسى أو يتناسى النصوص الأخرى الواردة في الوعد و الرجاء ، كحديث عتبان " فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " (5). أو " من شهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا عبد الله و رسوله ، و أن عيسى عبد الله و رسوله ، و كلمته ألقاها إلى مريم و روح مريم ، و أن الجنة حق ، و أن النار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " (6) .
· و في الطرف الآخر هناك من يعكس المسألة فيأخذ نصوص الرجاء وحدها ، و يؤمن الناس من مكر الله و يغفل نصوص الوعيد .
" و خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى و يقولون سيغفر لنا و إن يأتهم عرض مثله يأخذوه "[ الأعراف : 169 ] .
و العدل أن نأخذ بهذا و ذاك ، و نضع هذه في كفة ، و تلك في أخرى حتى يعتدل الميزان و يستقيم .
و من العدل بين النصوص الشرعية العدل بين الكليات و الجزئيات ، فالدين كله لله ، و ليس فيه شيء يجوز أن يهون من شأنه ، أو أن يتجاهل أو يهمل ، و لهذا قال صلى الله عليه و سلم ، لما أجاب جبريل عـن الإيمان و الإسلام و الإحسان : " هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم "(7) .
و لذا لو أنكر الإنسان أمرا معلوما من الدين بالضرورة متواترا قطعي الثبوت لكان بذلك كافرا و لو كان هذا الأمر الذي أنكره سنة أو فرض كفاية كركعتي الفجر و الآذان و نحوهما .
فليس في الدين "قشور" أو "توافه" كما يحلو لبعض المتعجلين و الهاجمين على القول بدون ثبت و لا روية أن يعبروا .
إنما هناك أولويات كالبداءة بأمور العقيدة ، و تقديم الكليات على الجزئيات ، فأنت حين ترى على إنسان مجموعة أخطاء فمن الحكمة أن تبدأ بالخطأ الأكبر قبل الأصغر ، فليس من الحكمة أن تلومه على بعض الأذكار المسنونة و هو يخل بواجبات الصلاة أو أركانها ، و ليس يسوغ أن تبدأ معه رحلة النصيحة بنهيه عن التدخين و هو يقع في الشرك .
و التدرج في الدعوة ثابت في وصية النبي صلى الله عليه و سلم ، لمعاذ حين بعثه إلى اليمن فقال : " إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم و ليلة ، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم .. الحديث " (8) .
فتقديم الأهم فالمهم شريعة نبوية ، كانت جزءاً من منهجه صلى الله عليه و سلم في الدعوة العملية ، و هي جزء من وصيته لصحابته المبلغين عنه .
و بعض الدعاة المخلصين قد تتحول عنايتهم و ينصب اهتمامهم على مجموعة مسائل جزئية ، هي مهمة دون شك لكن ثمت ما هو أهم منها ، و ليست مهمة الناصح أن يصرف اهتمام الدعاة عنها بالكلية ، أو يزهدهم فيها ، كلا .
بل مهمته أن يعمل على وضعها في مكانها الطبيعي الذي يليق بها ، و وضع المسائل الأخرى التي تكبرها في مكانها الطبيعي أيضاً .
كنت يوماً أشرح للطلاب في دروس " بلوغ المرام " حديث أبي سعيد رضي الله عنه : " إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه ، فإن رأى فيهما أذى فليمسحه و ليصل فيهما " (9).
فرأيتها فرصة مناسبة لشرح المنهج المرضي في مثل هذا الحديث .
فأولاً : ذكرت السنن الواردة عن الرسول صلى الله عليه و سلم في مسألة الصلاة في النعلين ، و هي إجمالاً خمس :
الأولى : أنه صلى الله عليه و سلم كان يتعمد أحياناً خلع نعليه في الصلاة كما في حديث عبد الله بن السائب : " رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يصلي يوم الفتح و وضع نعليه عن يساره "(10) .
الثانية : صلاته صلى الله عليه و سلم ، في النعلين كما في حديث أبي سعيد ، و مثله ما رواه أبو مسلمة سعيد بن يزيد الأزدي قال : سألت أنس بن مالك رضي الله عنه : أكان النبي صلى الله عليه و سلم يصــــلي في نعليه ؟ قال : نعم (11) .
الثالثة : أنه كان يصلي حافياً و منتعلاً كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (12) يعني : تارةً هكذا و تارةً هكذا .
الرابعة : الأمر بوضع النعلين بين رجليه ، و لا يضعهما عن يمينه و لا عن يساره إلا أن لا يكون عن يساره أحد ، كما جاء في حديث أبي هريرة (13) و غيره .
الخامسة : الأمر بالصلاة فيهما كما في حديث شداد بن أوس : " خالفوا اليهود ، فإنهم لا يصلون في نعالهم و لا في خفافهم "(14) .
ثم ثنيت بذكر آراء الفقهاء في المسألة و هي ثلاثة :
1_ رأي يقول بالكراهة ، نقل ذلك عن ابن عمر و أبي موسى الأشعري .
2_ و آخر يقول بالاستحباب و هو مذهب الأكثرين كعمر و عثمان و علي و أنس و ابن مسعود و عطاء و مجاهد و طاوس و شريح .. الخ .
3_ و ثالث يقول بالجواز إذا لم يكن فيها نجاسة ، كما رجحه ابن الخطابي و ابن دقيق العيد و ابن بطال و النووي و غيرهم ، أي : ليست الصلاة في النعل بمستحبة عندهم ، و زعم ابن دقيق العيد أن ملابسة النعل للأرض التي تكثر فيها النجاسات يقصر به عن أن يكون زينة يستحب أخذها للصلاة .
ثم ثلثت بالترجيح لما يقتضيه الدليل الصحيح الصريح ، و هو استحباب الصلاة في النعل ، على أن يراعى في ذلك أمور :
أ- أن ينظر فيها و يطمئن إلى سلامتها من الأذى أو القذركما أمر به صلى الله عليه و سلم ، في حديث أبي سعيد .
ب- ألا يترتب على ذلك تشويش أو تشويه ، فإن رفع الأصوات في المساجد و الجدل العريض ، و الهجر في المقال و امتلاء الصدور بالكراهية و البغضاء و التدابر ، بل و ترك الصلاة مع الجماعة إمعانا في التعبير عن الغضب .. كل ذلك قد يفعله بعض الناس ممن كان يحتاج إلى تأليف قلوبهم . و في بعض المجتمعات يفرح أعداء الدعوة و أعداء المنهج الصحيح بمثل هذه الأعمال ، و يستغلون جهل الناس بالسنة ليلصقوا بالدعاة التهم الباطلة ، و ينفروا الناس منهم .
ج_ ضرورة ترتيب الأولويات ، فنحن نريد تصحيح عقائد الناس ، و تحذيرهم من ألوان الشرك الظاهر و الخفي ، و نريد حمل الناس على فعل الفرائض و الواجبات ، و الامتناع عن المحرمات ، كما نريد حثهم على الالتزام بالسنن و المستحبات ، و ترغيبهم في تجنب المكروهات .
و ليس يصح في النظر السليم أن أصرّ على تعليم الناس سنة من السنن مهما كلف ذلك من جهد ، لتكون النتيجة أن يرفضوا هذه السنة بجهلهم ، ثم يرفضوا من دعاهم إليها فلا يقبلوا منه صرفاً و لا عدلاً .
و سلّم الأولويات الشرعية يبدأ بتعليم أصول العقيدة ، ثم فعل الفرائض و ترك المحرمات ، ثم آداء السنن و ترك المكروهات ، و هي كالضروريات ، ثم الحاجيات ثم التحسينيات .
· و باختصار : نحن بحاجة إلى " درء التعارض " بين العناية بالكل ، و العناية بالجزء ، و إزالة الفكرة الكاذبة التي توحي بأن الاهتمام بالكليات يلزم منه إهمال الجزئيات ، أو العكس ، و أن نجمع اهتمام الدعاة على نسق واحد ، يعطي كل ذي حق حقه .
و ليس عيباً أن يدرس الداعية أو يدرّس هذه السنن التي ينكرها الناس كتقصير الثياب إلى وسط الساق ، أو جلسة الاستراحة في الصلاة ، أو تحريك الأصبع في التشهد ، بل هي مسائل ورد فيها نصوص شرعية ينبغي للمتخصص أن يكوّن منها رأياً و اجتهاداً ، شريطة ألا تلهيه عن غيرها ، كما يدرّب الشباب على تطبيقها في خاصة أنفسهم و فيمن يقبل منهم و يأخذ عنهم ، و في الأزمنة المناسبة ، و في الأمكنة المناسبة ، و يتركوها – احتساباً لوجه الله – حين يرون المصلحة الشرعية في تركها ، و ليس خوفاً من ألسنة الناس أو أقوالهم على أشخاصنا :
فإن أبي و والده و عرضي *** لعرض محمد منك وقاء
و ليس من العدل أن نكتب في موضوع جزئي ما يزيد على أربعة عشر بحثاً .. في حين نترك الوقائع و النوازل الكبيرة في الأمة يسير الناس فيها على غير هدى ، و يتخبطون بآرائهم الشخصية ، أو باجتهادات ناقصة لم تتوافر فيها لآلات الاجتهاد الصحيح .
و هناك من يقع في الخطأ المقابل،فيشتغل ببعض الكليات و يقلل من شأن الجزئيات .
يقول أحدهم : أنا سلفي ، و عندما أنظر إلى شخصية "عمر" أنظر فيها إلى عمر الذي نشر العدل بين الناس ، عمر الذي كان يقول : لو عثرت بغلة في العراق لشعرت أن الله سائلني عنها ، لمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر ؟
و لست أنظر إلى شخصية عمر الذي يقصّر ثوبه و يطيل لحيته !! كما ينظر إليه بعض " الصبية " !! .
و لماذا نشطر شخصية " عمر" فنجعل منها " عُمَرين " ، عمر العادل المجاهد المتحمل لمسئولية البغلة بالعراق ، و عمــر الملتزم بالسنة في هيئته و ثوبه و عمله ؟
حاشا عمر رضي الله عنه ، فإنه ما كان يؤمن بهذه " الثنائية " و هذا الانشطار و إليك الدليل :
· لما جاء عقبة بن عامر رضي الله عنه يبشره بفتح الشام ، و قد ركب إليه أسبوعا من الجمعة إلى الجمعة حتى وصل المدينة ، و أخبره بالفتح ، فكبر لذلك و سر المسلمون من هذا النصر المؤزر .
ثم نظر عمر إلى خفي عقبة ، فقال له : منذ متى لبستهما ؟ قال : منذ أسبوع و أنا أمسح عليهما ! فقال له عمر : أصبت السنة (15) .
و الأثر صحيح كما يقول ابن تيمية (16) و غيره .
فلم يكن اشتغال عمر رضي الله عنه بمسألة الفتوح و إخضاع العالم لحكم الإسلام مانعا له عن بحث مسألة فرعية جزئية – في نظر البعض – و بيان السنة فيها حسب رأيه و اجتهاده .
· و حين كان أمير المؤمنين في فراش الموت كان همّ الخلافة من بعده مما يقلق باله ، و بال أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و مسألة الخلافة مصلحة عامة جوهرية خطيرة ، لكنها – على أهميتها – لم تشغل عمر عن المباحثة و المفاهمة في بعض الجزئيات ، فكان مما فعل - و هو طعين – أنه دخل عليه غلام من الأنصار ، فأثنى عليه خيرا فلما خرج رأى عمر في ثوبه طولاً ، فقال : ردوا علي الغلام !! فردوه فقال له : يا ابن أخي ! ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك و أتقى لربك ! (17) .
و بعد لحظات التفت إلى من حوله من الصحابة فقال لهم : ما تقولون في مسألة إرث الجد مع الإخوة ؟ فتحدثوا ، فقال عمر : " إني كنت رأيت في الجد رأياً فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه ! فقال عثمان رضي الله عنه : إن نتبع رأيك فإنه رَشَد ، و إن نتبع رأي الشيخ قبلك فلنعم ذو الرأي كان !!
هذا عمر رضي الله عنه !
تنسجم عنده الكليات و الجزئيات في مزيج عذب ، لا يطغى فيه لون على لون ، و لا طعم على طعم ، و في بناء متكامل لا يغني فيه شيء عن شيء .
و – العدل في النظرة الشمولية للإسلام :
فالدين جاء ليحكم شئون الحياة كلها ، على مستوى الفرد و الجماعة ، و في الجوانب الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و العلمية و سواها ، و قد عاب الله تعالى على بني إسرائيل و وبخهم بقوله :
" فنسوا حظا مما ذكروا به ، فأغرينا بينهـــم العداوة و البغضاء إلى يوم القيامة " [ المائدة : 14 ] .
فالتحزب على جزء من الدين ، و نسيان الأجزاء الأخرى هو من ميراث الأمم الهالكة ، و من أعظم أسباب الفرقة و الخلاف بين الدعاة . فتجد طائفة من المسلمين تهتم بالإسلام التعبدي ، فتعنى بقيام الليل ، و كثرة الذكر ، و قد تضيف إلى ذلك بعض الترتيبات التي لا أصل لها في الشرع و ربما تسرب إليها شيء من التصوف العجمي الانعزالي حتى لقد حدثني أحدهم بلهجة المسرور أن أحد الجواسيس الغربيين جلس معهم طويلاً ثم كتب عنهم أن هؤلاء لا ضير منهم ، فهم يتحدثون فيما تحت الأرض و فيما فوق السماء !!
في القبر و الموت و العذاب و النعيم ، و في الله و الملائكة و الآخرة !
أما ما فوق الأرض فلا شأن لهم به !
و تجد طائفة أخرى تهتم بالإسلام السياسي ، فجهادهم هو في ميدان تكوين الأحزاب السياسية ، و حشد الأنصار ، و الفوز بالانتخابات ، و الدخول في المجالس و البرلمانات .. و تربية الشباب على الجهاد السياسي .
و تجد فئة ثالثة عنيت بالإسلام العلمي ، فهي تتعلم السنة و الحديث ، و تشتغل ببيان صحيحها من سقيمها ، و تحذر الناس من رواية الأحاديث الضعيفة و الموضوعة ، و قد يصحب ذلك شيء من الجفاء أو ضعف التعبد أو الغفلة عن واقع الأمة و ما يدبر لها .
و قبل أن يسبق إلى ذهن أحد معنى يكرهه أبادر و أقول :
أولاً : الإسلام يشمل الجوانب الثلاثة كلها ، و غيرها ، فهو دين جاء ليربط العبد بربه تعبدا و رجاء و خوفا ، و من ثم جاءت الشعائر التعبدية ، و هو دين جاء ليحكم حياة الناس و يدير شئونهم ، فليس كهنوتا و لا رهبانية ، و لا عزلة عن واقع الحياة ، و السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام ، فالجهاد في هذا الميدان بكل وسيلة مباحة مؤدية للغرض المقصود يجب أن يكون جزءا من هم الداعية .
و هو دين جاء ليضبط التعبد ، و يضبط الحركة في واقع الحياة ، بضابط الكتاب و السنة فلا يكون هناك مجال للعواطف المجردة ، و لا للأمزجة الشخصية ، فلا بد من العلم بالكتاب و السنة حتى نصحح عباداتنا و أعمالنا .
إذن : كل هذه المجالات مما جاء الدين بالدعوة إليه ، و الحث عليه .
ثانياً : قد يعجز فرد أو أفراد أن يحيطوا بهذه الأمور كلها في دعوتهم إلى الله، فالطاقة محدودة إذا صرفت لشيء فربما بخست شيئاً أخر ، أو أضرّت به ، فضلاً عن أن ما رُكّب عليه الناس من الطبائع و النظرات و نوعية الاهتمامات قد يجعل الإنسان بطبعه أميل إلى أحد هذه الأمور . فمثلاً قد يكون في الإنسان زهد و نسك و خير كثير ، لكنه لم يرزق آلة العلم الشرعي ، فليس من أهله .
و هنا نقول : قد علم كل أناس مشربهم ، و كل ميسر لما خلق ، و قد كان من أصحاب محمد صلى الله عليه و سلم ، الفارس المقاتل الشجاع كخالد بن الوليد ، إلى جوار العالم المتهجد الفقيه كابن عباس و ابن مسعود ، إلى جوار المتعبد المتزهد الذي يصيح بالناس قولا و فعلا : لا تركنوا إلى الدنيا ، كأبي ذر رضي الله عنه .
و من مجموع هذه الشخصيات و غيرها يتكون البناء الإسلامي المتكامل .
و قد يوجد فيه من يكونون مجمعا للفضائل – و هو قليل – و على نطاق الصحابة رضي الله عنهم تجد أمثال أبي بكر و عمر و عثمان و علي و غيرهم و هم من الصحابة أكثر منهم فيمن جاء بعدهم .
ثالثاً : يجب أن يكمل بعضنا بعضاً ، و ألا يكون تنوع الاهتمامات مدعاة للتطاحن و التناقض و التنابز و اتهام كل طرف للآخر .
فهذا يتهم ذاك بالجهل ، و ذاك يتهم هذا بالإغراق في بحث الجزئيات و الغفلة عن واقع الحال ، و الثالث يتهم الآخرين بالجفاء و الجفاف ، و الركون إلى الدنيا و هكذا .. كلا ..
بل يقول كل مؤمن لأخيه ، إنه قام بما قصر فيه هو من فروض الكفايات و سد عنه ثغرة ما كان يستطيع سدها ، و يدعو له بظهر الغيب ، و يحمي ظهره من طعن الطاعنين .
فلا " نتحزّب " على جزء من الدين ، و نحارب من يتهم بجزء آخر ، بل إن قصرنا في أمر شكرنا من يقوم به عنا ، و شتان بين الأمرين .
رابعاً : و يجب ألا يشغلنا ما نذرنا أنفسنا له – من علم أو تعبد أو جهاد سياسي أو غير ذلك – عن الجوانب الأخرى أن نأخذ منها بنصيب ، فليس يسوغ للداعية – أيَّا كان – أن يجهل ما يكون تعلمه فرض عين على كل مسلم ، كمعرفة العقيدة الصحيحة ، و معرفة أحكام الوضوء و الصلاة و الصيام و نحوها ، و معرفة ما يحتاجه في حياته العملية كآداب المعاشرة للمتزوج ، و أحكام الزكاة و التجارة أرباب الأموال ، و الأحكام المتعلقة بالعمل أو المهنة كالطب أو الهندسة أو غيرها .
و هذا هو العاصم - بإذن الله – عن أن يكون اهتمامنا بشيء ذريعة إلى الغلو فيه و ترك ما عداه .
فإن العناية بالعبادة إذا لم يصحبها علم شرعي صحيح ، مبني على الدليل من الكتاب و السنة قد تؤدي إلى التردي في مهاوي التصوف .
و العناية بالدعوة إذا لم تبن على فهم صحيح ، و مدارسة للنصوص ، و تحصيل علمي قد تؤول إلى جمع الناس على بدعة أو حشدهم على غير شيء . و هكذا .
ز_ العدل مع الواقــــــــع :
فالبعض من الدعاة يعيش في هذا العصر ، و كأنه في القرن الخامس الهجري ! لا يعرف عصره ، و لا يدري ما يقع حوله ، و يفاجأ بالأحداث . كما يفاجأ بها رجل الشارع !
صعد خطيب من الخطباء في إحدى القرى و في يده كتاب يقرأ منه ، فكان مما قال في آخر خطبته أن دعا لأمير المؤمنين السلطان العثماني فلان ، أن يخلد الله ملكه ، و يؤبد سلطانه !!
و لم يدر أن جسد هذا الخليفة أصبح طعاما للديدان في قبره ، و أن ملكه أصبح نهبا للشرق و الغرب !
و هذه الصورة " الصارخة " من " الغيبوبة " قد لا تتكرر كثرا ، لكن ثمت صور ألطف منها تتكرر بصفة دائمة .
أحد الشباب سألني قائلا : حزب البعث ، ما هو حزب البعث ؟ ما هي عقائدهم الأخرى غير مسألة الكفر بالبعث ؟!
ظن أخي أن سبب تسميته بحزب البعث ، لأنه يكفر بالبعث ، كما سمي القدرية لأنهم ينكرون القدر !!
إن المسلم قيم على عصره ، و شاهد عليه ، فهو يعيش هموم المجتمع ، و يدرك تيارات الفكر و اتجاهات السياسة ، و يحرص على إيجاد الحلول الصحيحة للوقائع الجديدة ، و على مقاومة الانحرافات بعد معرفتها و إدراك جذورها ، و لن يستطيع نقض مناهج الفكـر الغربي من لا يعي جذورها و ظروفها و منطلقاتها .
و ليس من الضروري أن يصبح كل داعية كذلك ، لكن لا بد أن يَنْفُرَ من المؤمنين طائفة ليقوموا بهذه الفريضة ، و على المستوى العام لا بدّ أن يكون للداعية نافذة على الواقع يدرك من خلالها أهم الأحداث المحيطة به ، و يستطيع أن يكون مرشداً للناس إلى السلوك الصحيح حيالها .
و في مقابل أولئك المنعزلين عن الواقع يوجد من يحوّل هذا النزول للواقع إلى نوع من الانهزامية ، و البحث عن المسوغات و المبررات ليقول إن ما عليه للناس موافق للإسلام ، أو يحاول التخلي عن بعض الأمور الشرعية مجاملة للواقع ، أو خضوعا لضغطه النفسي .
و العدل هو التعرف على الواقع و محاكمته إلى دين الإسلام ، و تصحيح انحرافاته بحسب الإمكان .
ح _ العدل في التعامل مع الخلاف :
الخلاف من طبيعة البشر " و لا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك " [ هود : 118 – 119 ] .
و لا شك أنه يختلف و يتفاوت باختلاف النيات و المقاصد ، و اختلاف العقول و المدارك ، و اختلاف العلوم ، و التعامل مع الخلاف يتطلب موقفاً شرعيَّاً . بعض الدعاة يدعو إلى وحدة الصف و جمع الكلمة و نسيان الخلاف دون تحديد ضابط دقيق لمن يمكن الوحدة معه ، و من تجب مفاصلته لبدعته و ضلاله و انحرافه .
و في الطرف الآخر هناك من يبالغ في الشروط ، حتى ليريد من الناس أن يوافقوه في كل شيء ، حتى في اجتهاداته الشخصية الفردية ، و آرائه الخاصة ، فإذا خالفه أحد في بعض ذلك أعرض عنه ، و اتخذ منه موقف المناوئ ، و أصبح لا يأبه به و لا يقيم له وزناً !
و العدل يقتضي تقبل الخلاف فيما يسوغ الخلاف فيه كالوسائل الدعوية ، و الفرعيات ، و الأحكام التي اختلف فيها السابقون .. و نحو ذلك مما بني على اجتهاد شرعي في فهم النصوص ، لا على مجرد الميل و التشهي .. فمثل هذا يحتمل ، و يكون الأمر فيه واسعاً .
أما التسامح مع أهل البدع الاعتقادية الغليظة ، و الانحرافات الجوهرية بحجة توحيد الصف فمسلك تلفيقي لا يمتّ إلى العقل و لا إلى الشرع بصلة .
و أما مطالبة الناس بالاتفاق على كل شيء ، و ألا يختلفوا في شيء البتة فضرب من المحال و الخيال ، لا يتصوّر إلا في عقول السذّج .
(1) نص حديث رواه أحمد و أهل السنن و صححه الطحاوي و ابن خزيمة و ابن حبان و الحاكم و الذهبي و النووي و ابن حجر . انظر إرواء الغليل ( 1 / 60 ) .
(2) رواه ابن إسحاق في السير و المغازي (213) و البيهقي (9/9) و أحمد في المسند (5/290 ) و إسناده حسن لحال ابن إسحاق .
(3) رواه البخاري (5984) و مسلم (2556 ) و أبو داود ( 1996 ) .
(4) رواه البخاري (6056 ) و مسلم (105) و أبو داود (4771 ) و الترمذي (2127 ) .
(5) رواه البخاري ( 4623 ) و مسلم (33) .
(6) رواه أحمد (5/314 ) و البخاري (3435 ) و مسلم (28 ) و الترمذي (2640 ) .
(7) رواه البخاري (50) و مسلم (1009) و أبو داود (4698) و النسائي (4990) .
(8) رواه البخاري (1458) و مسلم (19) و أبو داود (1584) و الترمذي (625) و النسائي (2435) جميعهم من حديث ابن عباس .
(9) رواه أبو داود (652) .
(10) رواه أبو داود (648) و النسائي(776) .
(11) أخرجه البخاري (386) و مسلم (555) و الترمذي (400) و النسائي (775) .
(12) رواه أبو داود (653).
(13) رواه أبو داود (654 – 655) .
(14) رواه أبو داود (652) و صححه الحاكم و وافقه الذهبي .
(15) رواه البيهقي (1/380) .
(16) الفتاوى (21/ 178) .
(17) رواه البخاري (3700) من حديث عمرو بن ميمون .
(18) رواه الدارمي (2916) عن مروان بن الحكم .
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله