الرئيسية > الدعوة > الدعوة والدعاة > صفات الدعاة > الصبر  

الصبر

الشيخ / سلمان بن فهد العودة

الصبر قرين اليقين " و جعلنا منهم أمة يهدون بأمرنا لما صبروا و كانوا بآياتنا يوقنون " ( سورة السجدة / الآية 24 ) .

و لذلك قال سفيان : بالصبر و اليقين تنال الإمامة في الدين .

و الذي لا يصبر فإنه من السهل أن ينخلع عن دينه لأي شيء يعترض طريقه ، و من السهل أن يتخلى عن منهجه و حكمته لأي استفزاز ، و لذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم : " فاصبر إن وعد الله حق و لا يستخفنك الذين لا يوقنون " ( سورة الروم / الآية 60 ) .

و قال : " و اصبر على ما يقولون و اهجرهم هجراً جميلاً " ( سورة المزمل / الآية 10 ) .

كثيرا ما يقف الضالون في وجه الدعاة إلى الله عز و جل ، يقولون لهم : إن ما تدعون إليه ضرب من الخيال لا يمكن أن يتحقق في الواقع ، أنتم تدعون إلى أمور عفا عليها الزمن ، و نسيها الناس أو كادوا ، فينبغي أن ترضوا بما دون ذلك ، و أن تراجعوا آراءكم و اجتهاداتكم !!

و أمام ضغوط الواقع القائم ، و أمام العقبات الحقيقية و الوهمية في وجه تحقيق الإسلام ، و أمام طول الطريق .. قد يستجيب بعض الدعاة و يتأثر ، و يبدأ في إعادة النظر في فهمه للإسلام ، و فيما يقوله الخصوم !

و يا ليته إذ يفعل ذلك يفعله بروح الباحث المتجرد الشجاع المتطلع إلى الحق أين كان .. إذن لهان الخطب !

لكنه يفعله بروح " المنهزم " الذي يحس بأنه خرج من المعركة أسيرا أو كسيرا .. فهو يبحث في " عروض " القوم عن " حل " يجنبه المعركة مع الباطل .. مع الواقع المنحرف ..

· و هذا مثل :

الربا الذي انتشر ، و ضرب أطنابه ، و مد رواقه ، و قامت عليه اقتصاديات العالم كله - بما فيه العالم الإسلامي - و كاد أن يدخل جيب كل أحد حتى تحققت فيه نبوءة النبي صلى الله عليه و سلم ، حين قال : " يأتي على الناس زمان من لم يأكل الربا أصابه من غباره " . (1)

و هذا الحديث و إن كان فيه ضعف ، إلا أنه يشهد لصحة معناه قوله صلى الله عليه و سلم فيما رواه البخاري : " يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أكل ، أمن الحلال أم من الحرام " . (2)

هذا الحرام المستقر في نفوس الكثيرين و جيوبهم و مؤسساتهم و أموالهم ، بدلاً من أن يسعى الداعية لنهي الناس عنه ، و البحث عن البدائل الشرعية الصحيحة لتنمية أموال الناس و استثمارها ، و لإقامة بناء الاقتصاد الإسلامي السليم .. يأتيه الذين لا يوقنون فيحاولون أن يستخفّوه ليعيد النظر في صور من صور الربا الصريح ..

و أن لها مخرجا فقهيا و لو ضعيفاً أو شاذاً ! و هكذا يصبح " واقع الناس " في فترة من الزمان محدودة مرجعا لتعديل بعض الأحكام الشرعية المستقرة عبر القرون !

إنه فقدان الصبر في نفوس بعض الدعاة ، و مع فقدانه فقدان الأمل !

أعلل النفس بالآمال أرقبها *** ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل !

و يا ليت الداعية ينصت لذلك الناصح الذي قال للخليل :

إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع

أنت لست مطالباً بتحقيق نصر واقع للإسلام ، فهذا أمره إلى الله متى شاء أن يحدث حدث ، لكنك مطالب ببذل جهدك في هذا السبيل فحسب ! و الرسل و الأنبياء كانوا يخاطبون بذلك : " إن عليك إلا البلاغ " ( سورة الشورى / الآية 48 ) .

و كانوا يقولون : " و ما علينا إلا البلاغ المبين " ( سورة يس / الآية 17 ) .

و قد يأتي أحدهم إلى بعض الدعاة و يقول له : أنت تعمل أعمالا جبارة ، و تواصل كلال الليل بكلال النهار ، لكن النتيجة في النهاية قليلة ، فالناس ينفضون من حولك ، و أنت ترى وسائل الهدم و التخريب قد استحوذت على الكثير منهم .. و أصبحت تفسد في ساعة ما يبنيه الداعية في سنة ! و :

متى يبلغ البنيان يوما تمامه *** إذا كنت تبنيه و غيرك يهدم ؟؟

و هذا المنطق قد يؤثر على كثير ممن لم يعتادوا على عقبات الطريق .

و هنا يأتي دور " الصبر " الصبر الجميل .

عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم ، و هو متوسد بردة في ظل الكعبة ، و قد لقينا من المشركين شدة ، فقلت : يا رسول الله ‍ ألا تدعو لنا ؟ ألا تستنصر لنا ؟

فقعد صلى الله عليه و سلم ، و هو محمرٌّ وجهه ، و قال : " لقد كان من قبلكم يمشط بمشاط من حديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، و يوضع الميشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه ، و ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله ، و الذئب على غنمه .. و لكنكم تستعجلون ‍‍! " . (3)

فالعجلة في قطف ثمار الدعوة و نتائجها لا تتناسب مع الصبر الذي يجب أن يتحلى به الداعية .

قد يكون الداعية في موقع من المواقع ( بلد ، مدرسة ، مؤسسة ، .. ) يجاهد في رد المنكرات و نشر الدعوة ، و يحدث على يديه خير كثير ، لكنه لا يحس به لأنه يجيء بصورة تدريجية .. كما لا يحس الأب بنمو طفله الذي يراه صباح مساء ! لأنه يكبر شيئا فشيئا !

و كم من داعية تخلى عن موقع من المواقع ظانا أنه ليس له أثر ، فلما تخلى بان فقده و ظهرت مكانته ، فكان كما قيل :

سيذكرني قومي إذا جد جدهم ***و في الليلة الظلماء يفتقد البدر

و كان كالكسعي (4)، الذي يصنع السهام و يرمي بها في الليل ، و يظن أنها لم تصب ما أراد .. فكسر القوس ، فلما أصبح رأى أنها قد أصابت فندم على كسرها .. و صار يضرب به المثل في الندم ، حتى قال الفرزدق حين طلق زوجته :

ندمت ندامة الكسعي لما *** غدت مني مطلقة نوار ‍! (5)

فعلى الداعية ألا يستعجل النتائج و الثمرات ، بل يسعى و يعتمد على الله تعالى ، و يدرك أنه بمنطق التجربة المقطوع بها من الناحية التاريخية ، و من الناحية الواقعية ، أن أي جهد صحيح يبذل في الأمة يكون له ثمرة ، إذ لم يقع في هذه الأمة أن أحدا دعا فلم يستجب له ، أو نصح فلم ينتصح بأمره و نهيه أحد ، أو عالما جلس للتعليم فلم يقعد إليه أحد ، إلا أن يؤتى من قبل نفسه ، بل كل داع يجد من يستجيب له ، إذ لم تصل الأمور إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه و سلم ، من الشح المطاع و الهوى المتبع ، و الدنيا المؤثرة ، و إعجاب كل ذي رأي برأيه ، لم يحدث هذا على مستوى الأمة كلها قط ، قد يقع في فرد أو أفراد أو جهة ، لكن الأمة فيها خير كثير ، و لا يزال عند الناس استجابة و قبول للدعوة ، و إصغاء لصوت الناصح ، إذا تكلم بعلم و حكمة .

بل إننا نجد في الأمم الكافرة اليوم في أمريكا و أوروبا و غيرها أن من يحملون لواء الدعوة إلى الله يجدون من يستجيب لهم من الكفار ، و في مراكز كثيرة كانوا يذكرون لنا إحصائيات الذين يسلمون أسبوعيا فكانت بالعشرات من الرجال و النساء .

و هذه الحقيقة التاريخية الواقعية ، التي تثبت أن كل جهد له ثمرة هي أيضا حقيقة شرعية :
" فمن يعمل من الصالحات و هو مؤمن فلا كفران لسعيه ، و إنا له كاتبون " ( سورة الأنبياء / الآية 94 ) .

و قال : " ليجزي الله الصادقين بصدقهم " ( سورة الأحزاب / الآية 24 ) .

" من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء " . (6)

" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها و أجر من عمل بها من بعده إلى يوم القيامة .. " . (7)

فكل عمل له جزاء ، و كل داع له أتباع .

(1) أخرجه أحمد 2/494 ، و أبو داود 3331 ، و النسائي 4455 ، و ابن ماجه 2278 ، و قد أعله المنذري في مختصر السنن 5/8 بالانقطاع بين الحسن و أبي هريرة .

(2) رواه البخاري 2059 ، و النسائي 4454 .

(3) رواه البخاري 3852 ، و أبو داود 2649،و رواه النسائي مختصراً 5320 .

(4) هو محارب بن حفصة بن قيس عيلان من عدنان جد جاهلي . انظر الأعلام للزركلي 5 / 281 .

(5) انظر القصة في الفاخر 90 – 91 ، الزاهر 2 / 195 – 196 ، و اللسان مادة كسع .

(6) رواه مسلم 2674 ، و الترمذي 2676 ، و أبو داود 4609 ، جميعهم من حديث أبي هريرة .

(7) رواه مسلم 1017 ، و النسائي 2554 ، كلاهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي .

Latest News
Poll

هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله


SMS
اشترك في خدمة رسائل الجوال الدعوية المجانية
رقم الجوال