و هو معرفة المرء قدر نفسه ، و تجنب الكبر الذي هو بطر الحقّ و غمط الناس . كما قال صلى الله عليه و سلم ، فيما رواه مسلم و غيره(1).
و التواضع في الأصل إنما هو للكبير الذي يخشى عليه أن يكبر في عين نفسه ، فيقال له :
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر * * * على صفحات الماء و هو رفيع
أما الإنسان العادي فلا يقال له : تواضع، و إنما يقال له : اعرف قدر نفسك، و لا تضعها في غير موضعها..!
روى الخطابي في العزلة أن الإمام الفذ عبد الله بن المبارك ، قدم خراسان فقصد رجلا مشهورا بالزهد والورع ، فلما دخل عليه لم يلتفت الرجل إليه ولم يأبه به ، فخرج من عنده عبد الله بن المبارك، فقال له بعض من عنده : أتدري من هذا ؟ قال : لا. قال: هذا أمير المؤمنين في الحديث.. هذا.. هذا.. هذا.. عبد الله بن المبارك فبهت الرجل وخرج إلى عبد الله بن المبارك مسرعا يعتذر إليه و يتنصل مما حدث وقال : يا أبا عبد الرحمن اعذرني و عظني !
قال ابن المبارك : نعم.. إذا خرجت من منزلك فلا يقع بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك..!
وذلك أنه رآه معجباً بنفسه، ثم سأل عنه ابن المبارك فإذا هو حائك..!! (2)
لقد لمح الإمام المربي أن في هذا المتزهد نوعا من الكبرياء و الغطرسة و الاستعلاء على الناس .. و هو داء يسرع إلى المتزهدين أحياناً.. فزوده بهذه النصيحة التي تلائم حاله.
و كم نجد من بعض الصالحين، و ربما الدعاة أحياناً ، بل ومن صغار الطلبة من يسيئون الأدب مع شيوخهم وعلمائهم وأساتذتهم. وإنه لأمر يحز في النفس ويؤلمها !
لا حرج أن تختلف مع عالم أو داعية في رأي أو اجتهاد متى كنت أهلاً لذلك.. لكن الحرج كل الحرج أن يتحول هذا الاختلاف إلى معول هدم لمكانة هذا العالم، والحط من قدره، والازراء عليه، وسوء الأدب معه.
وإن جاز أن يقع هذا من الدهماء من العامة ، أو من أهل البدعة والضلالة فإنه لا يجوز بحال أن يقع من أهل السنة ومن طلاب علم الشريعة :
قد رشحوك لأمر لو فطنت له *** فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
إن علماء أهل السنة والجماعة خاصة مطالبون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على علية القوم..
وإذا خذلهم أقرب الناس إليهم فلا ينتظر منهم ذلك، فواحدهم كفارس شجاع ما خلفه إلا نساء..!
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم *** نطقت و لكن الرماح أجرت
ولو أن أهل السنة حموا أعراض علمائهم، و عرفوا لهم قدرهم، و التفوا حولهم لأمكن لهم أن يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه الصحيح، لكن لما خذل العالم من وراءه لم يستطع أن يقول شيئاً.
وكم هو مؤسف أن بعض أهل البدع على النقيض من ذلك، بل تصل الحال بهم إلى أن يمنحوا شيوخهم و ملاليهم و سادتهم نوعا من القداسة، و يسيرون خلفهم بشكل مرفوض .. هو في الحقيقة نوع من العبودية وذوبان التابع في المتبوع. وهذا ديدن الفرق الباطنية عبر العصور حيث تربى أفرادها على منح قدر من " العصمة " لزعمائها وأئمتها.
وحتى المعتزلة الذين يتعاطون بضاعة "العقل"، ولا يكاد يوجد عندهم للعواطف مكان .. يقول أحد شعرائهم في شيخهم واصل بن عطاء (3):
له خلف بحر الصين في كـل بلدة *** إلى سوسة الأقصى وخلف البرابر
رجــال دعــاة لا يـفــــل عزيمــهم *** تـهـكـم جــبـار .. و لا كــيد مـاكــــر
إذا قال مروا فـي الشتاء تسارعوا *** وإن جـــاء حـر لـم يخف شهر ناجر
هـم أهـل دين الله فـي كل بلـدة *** وأرباب فـتـيـاها وعـلـــم التشاجـر
و أهل السنة أولى بأن يقدروا و يوقروا علماءهم و لا خير في أمة لا يوقر صغيرها كبيرها ، و لا يرحم كبيرها صغيرها .
والحال أن الرجولة تختلف.. فإن صفة الرجولة في القرآن الكريم سيقت مساق المدح في مواضع عدة :
وقد يعبر بالرجولة عن الفحولة والذكورية فحسب، في مواضع أخرى :
فالرجال ليسوا سواء، و أين الثرى من الثريا..؟!
ولربما رأيت طويلب علم لا يحفظ من القرآن إلا اليسير ، ولا يكاد يحفظ حديثاً من البخاري أو مسلم بحروفه ، فضلا عن سنده ومعناه.. ومع هذا قد يقف أمام جهابذة العلماء وكأنه أبو حنيفة أو الشافعي ! وهجيراه أن يقول : أرى.. وأنا.. وقلت.. وعندي..!
يقولون هذا عندنا غير جائز *** و من أنتم حتى يكون لكم عند ؟!
وكثيراً ما تثور بين الأقران والأنداد روح المنافسة والتحاسد، وربما استعلى الإنسان على قرينه، وربما فرح بالنيل منه، والحط من قدره و شأنه، وعيبه بما ليس فيه، أو تضخيم ما فيه، وقد يظهر ذلك بمظهر النصيحة والتقويم و إبداء الملاحظات، ولو سمى الأمور بأسمائها الحقيقية لقال : الغيرة.
والعجب أن يغار الداعية من اجتماع ألف أو ألفين في مجلس علم أو دعوة لكنه لا ينفعل لو سمع أن حفلا غنائياً أو مباراة رياضية حضرها عشرون أو ثلاثون ألفاً، و هذا والله من البؤس، حتى لو كنت لا ترضى من أخيك بعض الأمر ، يكفيك أنه يدعو إلى الله، ويعلم الناس الدين، و هو على الجادة إجمالا :
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟ *** كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
وقد يكون الحق معه في بعض ما انتقدته عليه.
فإذا وجدت أحداً أصغر منك سناً، أو أقل منك قدراً فلا تحقره، فقد يكون أسلم منك قلباً، أو أقل منك ذنباً، أو أعظم منك إلى الله قرباً.
حتى لو رأيت إنساناً فاسقاً و أنت يظهر عليك الصلاح فلا تستكبر عليه، واحمد الله على أن نجاك مما ابتلاه به، و تذكر أنه ربما يكون في عملك الصالح رياء أو عجب يحبطه، وقد يكون عند هذا المذنب من الندم و الانكسار و الخوف من خطيئته ما يكون سبباً في غفران ذنبه.
عن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم حدث : ((أن رجلاً قال : والله لا يغفر الله لفلان، وأن الله تعالى قال: من ذا الذي يتألى عليَّ أن لا أغفر لفلان ؟ فإني غفرت لفلان و أحبطت عملك)) (4).
فلا تستكبر على أحد، و حتى حين ترى الفاسق لا تستعل عليه، أو تعامله بأسلوب المتسلط المتكبر.
ولو شعر الناصح الداعية أنه قد يكون لهذا الفاسق طاعات ليست عنده، وأن عنده هو عيوباً قد لا تكون عند صاحبه لعامله برفق، وتلطف معه في الدعوة بما يرجى أن يكون سبباً في القبول والذكرى.
إن عملت خيرا، أو تقربت إلى الله تعالى بطاعة ، فإن العمل قد لا يقبل ، و {إنما يتقبل الله من المتقين} [سورة المائدة:27]، ولهذا قال بعض السلف : لو أعلم أن الله قبل مني تسبيحة لتمنيت أن أموت الآن..!
و من ذلك التواضع عندما تسمع نصيحة ، فإن الشيطان يدعوك إلى ردها ، و سوء الظن بالناصح ، لأن معنى النصيحة أن أخاك يقول لك : إن فيك من العيوب كيت و كيت :
و كم مرة أتبعتكم بنصيحتي *** وقد يستفيد البغضة المتنصح !
أما من عصمه الله تعالى فإنه إذا وجد من ينصحه و يدله على عيوبه قهر نفسه، وقبل منه ، ودعا له وشكره .
ولهذا قال صلى الله عليه و سلم ، في تعريف الكبر : ((الكبر بطر الحق و غمط الناس)). يعني رد الحق، وبخس الناس أشياءهم. فالمستكبر صاحب نفسية متعاظمة لا يكاد يمدح أحداً أو يذكره بخير، وإن احتاج إلى ذلك شفعه بذكر بعض عيوبه.
أما إن سمع من يذكره ببعض عيوبه فهيهات هيهات أن ينصاع أو يلين، و ما ذاك إلا لمركب النقص في نفسه، ولهذا كان من كمال الإنسان أن يقبل النقد والملاحظة بدون حساسية أو انزعاج أو شعور بالخجل و الضعف ، وها هو أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يحمل الراية ، ويرفع الشعار : "رحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا".
-----------------------------------------------------------------------------------------
هل استثمار الدعاة للأحداث العالمية لصالح الدعوة إلى الله